عرس العزيز   عدد القراء : 1354   .

(أمنيتي أن أحضر عُرسك وأفرحُ به قبل أن أموت..)
هكذا كانت تردد بلهفة (ام عزيز).. مُتمنية أن تمارس مفردات الفرح والبهجة بعرس ولدها الوحيد (عزيز)، الشاب الوسيم ذي الثمانية عشر ربيعا.. فليس لها من الابناء سواه واخته الحنون (عزيزة).
وتمر الايام.. والأسرة تتحرق شوقا لذلك الحدث السعيد.. اخته (عزيزة) قالت: انا اوّل مَن يستقبل خطيبة عزيز.. وسأغرقها بالحلوى والزغاريد..
امّا ابو عزيز فكان يردد بحرقة وسعادة شبه مؤجلة، (أما أنا فبيدي ارش ماء الورد في عرس عزاوي).
يمر الزمن ثقيلا لانه مثخن بالانتظار والمسرات المؤجلة..
الى أن أذن الله باللطف المقدس فانشق ليل الانتظار الطويل، بتنفس صبح الفرج والفرح..
وقع اختيار عزيز على (عذراء) ذات السبعة عشر ربيعا.. وتحمست العائلة وسعدتْ بهذا الخيار الذي لم ينقصه التوفيق ولم يعوزه السداد..
كان عزيز يرى في (عذراء) جنته الارضية نور الايمان ترتديه خماراً ووشاحا من ألق الجمال البشري المكتمل والجمال الايماني المنسدل انتجا ملاحة فذة، جعلت عزيزاً وأهله يرون أن الله قد أخذ بأيديهم للظفر بذات الدين التي لمْ ينقصها الحسنْ..
جهزت العائلة وتجهزت لهذا العرس الذي لم تبق الا مدة قليلة على موعده..
خرج عزيز مسرعا بسيارته من اجل جلب دواء لوالدته المريضة من صيدلية بعيدة، ليكون على موعد مع رشقة رصاص طائشة اطلقتها قوة من قوات الاحتلال، لتمزق الجسد الطهور.. وتنقل عُرسه الى جنات الله التي لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلب بشر..
حينما شُيعَ جثمان العزيز امام بيته وقف والده متماسكا وماسكا ببدلة العريس الراحل وبخاخ ماء الورد يوزع رذاذه العطري من يد الوالد المفجوع الذي وقال بصوت عالٍ: لا احد يبكي.. ولا واحدة تذرف دمعة.. فعزيز عريس.. ولا نريد ان نعكر صفو وبهجة زفافه هذا.. اريد ان اسمع الزغاريد.. حقا استطاع ابو عزيز ان يمنع او على الاقل أن يؤجل بكاء المشيعين المتجمهرين امام باب الدار، قبل ان يخونه اصطباره وينفجر ببكاء يفل حتى الحديد، ليعطي ضوءً اخضر لبكاء الجميع في نعي يفتت الصخر..
أما والدة العزيز الشهيد وأخته عزيزة فقد توسطتا النساء اللواتي التم شملهن وتلفعن بالفجيعة..
مرةً تقولان باسلوب انشادي جنائزي: (عرس الغالي بالجنة).. تكررانه بما يشحن الجو حزنا جليلا مؤجلا بالمصابرة ومرةً، تنهار قواهما ليغرقا ببكاء ونعي لا يوصف..
يا الهي من أين لهما كل هذه القدرة على هذا النحيب واللوعة الباكية؟
شيحان عم المرحوم عزيز بادر وخط لافتة في الدار بين البرحيتين الباسقتين تقول: ما دمتَ في هذه الدار فلا تأمن الأكدار.