وعي الذات.. قراءة أولى   عدد القراء : 1432   .

تلجأ الامم في زمن تاريخي معين، زمن تتآزر فيه كل عوامل التآكل والانحطاط والتشفي والارتداد لتمزيقها، ودفعها قسرا للإنداثار او الذوبان في غيرها، تلجأ الى تبني ثمة مفهوم يطلق عليه - في العلوم الاجتماعية خاصة ((تأكيد الذات))، واحيانا وبعبارات اخرى التمركز حول الذات، او التقوقع في الذات، وذلك للحفاظ على النوع، والهوية والعرق، والتواصل التاريخي واحيانا الحضاري الرسالي اولا، وللحيلولة دون الانسياق الى رؤى ومفاهيم وفلسفة قوى القهر التاريخي الارتدادي في اذابة الامم او نفيها خارج هوياتها الثقافية السياسية العقائدية الاجتماعية ثانيا.
عبر التاريخ الانساني امم كثيرة لجأت الى هذه الانماط السلوكية عن وعي أو لا وعي لحفظ النوع اولا وللحيلولة دون الذوبان او التلاشي في غيرها ثانيا ذلك الذي نوهنا عنه قبل اسطر.
العرب مثلا كأمة وكتوجه رسالي مارسوا كثيرا وفي حقب تاريخية عديدة مثل هذا الدور الريادي وبصياغات انسانية عديدة ومتنوعة كالثقافة، والثبات الديني والقيمي الاجتماعي السياسي وتميز شخصية الامة عن غيرها، وكان - الدور - اثره فاعلا وتاريخيا في حفظ الامة لذاتها بعيدا عن الذوبان في غيرها او التشفي، والتدحرج الى متغير تاريخي يختلف كثيرا عن ثوابت وعقل الامة الجمعي، ذلك الذي حاصرت به قوى الهدم الحضاري مراراً  وفي عصور تاريخية مختلفة قوى الأمة الفاعلة على مر التاريخ كالشعوبية، والحروب الصليبية، وغارات التتر والمغول، والتتريك، وقوى الردة، والفرق الباطنية، واليهودية والعالمية، واخيرا ما يسمى ب (الشرق متوسطية) والعولمة بكل ثقلها التدميري.
والاتراك كأمة تشكلت بقوة التاريخ وكهوية لجأوا اليه بعد انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى وان ببعض تخبط بين الانتماء للعرق والطورانية او الانسلاخ عن الاسلام كدين وعقيدة وهوية للاتراك والهند في تاريخها الحديث وبعد ثلاثة قرون من الهيمنة الاستعمارية البريطانية لجأت اليه كاسلوب دفاعي تحريضي رمزي لانقاذ الهند من هذا العار التاريخي الذي لحق بها وهي ترقد كأمة مستلبة الارادة لثلاثة قرون متتالية تحت الهيمنة الاستعمارية، وكان لغاندي الرجل الرمز والزعامة التاريخية اضافة الى زعامات الهند الاخرى الفضل الكبير في استنهاض هذه العودة الى الذات في الهند المعاصرة.
والامم عادة - استقراء اوليا لمسارات الشعوب والامم - لا تلجا الى تبني مثل هذه الانماط السلوكية الهادفة الى تاكيد الذات وحفظها واحيانا التقوقع فيها، الا بعد ان تهدد في شرعية وجودها، في هوياتها، في ذاتها لا قبل ذلك ردا على لغة المسخ التي تعامل بها قوى الهدم الحضاري..
تأصيل وتعميق وعي الامة لذاتها، وبلورته في صياغات متنوعة، ليتضاد تاريخيا وحضاريا مع ثقافة الوهم والانحطاط، وتزييف وعي الامة لذاتها، وتشويه قوة التاريخ فيها تلك التي تتبناها قوى الهدم الحضاري الخارجية والداخلية، والغزاة وما يشابههم في الخارج واذنابهم وعملاؤهم في الداخل.
وهذا لا يعني ضرورة ان الامم كانت قد انكفأت فيما قبل ازماتها التاريخية، في ازمنة استقرارها عن ممارسة الكثير من النشاطات في حفظها لذاتها والتمركز حولها، بل هو فقط يشير الى حقيقة ذلك السلوك التعويضي النرجسي واحيانا المرضي الذي تبديه الامم والجماعات البشرية بعد ازمان الانكفاءات التاريخية التي تتعرض لها.
ان وعي الامم الكثيف  لذواتها  سيوفر لها، فرصاً تاريخية اكبر حجما واكثر سعة، واصلب عودا لمقاومة (فايروس) تلاشي الذات او تشفيها وذوبانها في غيرها من الامم والشعوب والذي طالما دفعت اليه قسرا وعدوانا من قبل الغزاة او ماشابههم في ازمنة التردي التاريخي، وسيحمدها بمقومات الثبات والتواصل للحيلولة دون ذوبانها او تلاشيها في غيرها.
وهذا ليس عاما في كل الامم والشعوب والجماعات البشرية، فما اكثر الامم،و ما اكثر الاقوام التي سادت ثم بادت من غير امتلاكها مقومات صيانة الذات من الاندثار والتلاشي، بافتقادها واقعية واشراقية وانسانية الذات فيها.. امم سادت لازمان تاريخية معينة، ثم بادت في ازمنة تاريخية اخرى.
ان جميع الامم التي سادت ثم بادت جميع الامم التي تلاشت في غيرها او ذابت انما هي امم افتقدت قابلية البقاء والرقي بتحجرها في مفاهيم متدنية، وانحطاطية، وتخلفية.
ان البابليين والاشوريين والفراعنة واليهود في هذا التحجر والتكلس الانساني الذي يمارسونه في وجودهم اللا تاريخي فوق ارضنا في فلسطين.
وامم اخرى كثيرة خارج محيطنا الجغرافي سادت لفترات تاريخية معينة ثم بادت حين فقدت قابلية نمو الذات بما يؤهلها للتواصل الانساني، في حين ان امما اخرى غير هذه امتلكت هي الاخرى هذه العراقة التاريخية وعانت ما عانت من العذابات والالام التاريخية ومع ذلك فقد تمركزت في ذاتها ولم تذب او تتلاشى في غيرها.
يسهب ابن خلدون، وتوربيني، وديورانت، وشبنغلر، وهيغل، وماركس، والدكتور جواد علي، وسدني هوك، ونيتشة، وكثير من المفكرين غير هؤلاء، يسهبون كثيرا في تناول مفهوم اندثار الذات وتحجرها او قابليتها على التجدد والارتقاء الذاتي في الامم، وكل حسب فلسفته ومنهجه الفكري، وعلمه.
ومن قبل هذا وذاك، كان القرآن الكريم قد فصل في ثلثيه تقريبا موضوعة الامم ونشوءها ورقيها، وانحطاطها، وازمنتها التاريخية المعاشة وصراعاتها، ومدى توافقها لسنن الله في خلقه او عدم توافقها، وسيرة الرسل والانبياء فيها، وعلل خرابها، وترفها، وتبطرها، وبخس حقوق الناس فيها، وكفرها وعزتها بالاثم والعدوان وظلمها، واخبار وحكايات ثلة الايمان والاصلاح فيها، ومئات الطروحات القرآنية في مسارات الامم والاقوام في تاريخنا البشري حتى عده البعض اعظم كتاب تاريخي على وجه الارض يوضح ويفسر قصة الانسانية كاملة .
ما قيمة موضوع تأكيد الذات هذا او التمركز حول الذات في امتنا العربية والاسلامية ونحن نعاني ما نعانيه من غارة كفرية تدميرية اجتثاثية مريبة في طول الامة وعرضها لتمزيقها ودفعها قسرا الى ذوبانها  في ذوات خاملة وغير فاعلة تاريخيا؟ ذلك ما قد نتعرض له في قراءات سريعة اخرى لموضوع تمركز الذات هذا في واقعنا العربي الاسلامي المعاصر.