قصة قصيرة   عدد القراء : 1590   .

الأسطورة

كان يلقبه اصدقاؤه، لفرط ذكائه بـ(الأسطورة)..
كل الذين جمعتهم به زمالة الدراسة او الذين درّسوه في كلية الطب، كانوا مبهورين بنباهته، ليس هذا وحده ما يميز الدكتور احمد عبدالرحمن، الشاب الذي لا تنقصه الوسامة ولا تعوزه الاريحية...
بل كان جم التهذيب، بشوش المحيا.. باراً بوالديه بمعنى الكلمة...
الخط البياني لدرجاته لا يعرف غير معانقة القمم..
وبعد تخرجه عكف على دراسة (البورد) بعمّان اكمل المطلوب قبل المدة المقررة.. مما اثار اعجاب المدرسين والاساتذة...
وعند تعيينه بمستشفى الرمادي..كان لقب (الاسطورة) لا يغيب عن افواه من معه من الاطباء...
فهو طبيب المهمات الصعبة والعمليات والمداخلات الجراحية المعقدة... الاطباء به اعجبوا كثيراً اما المرضى الذين عالجهم فمعجبون باخلاقه التي تحمل طهر الغمام.. وتذكر بأخلاق خير الانام عليه الصلاة والسلام المرضى يذهبون الى أبيه، الاستاذ عبدالرحمن فيسجلون له آيات الثناء على هذه التربية التي ربى بها ابنه الدكتور احمد.. حتى ان مريضاً من القطر الليبي حينما عاد الى بلاده بعدما عالجه الدكتور احمد من تعرضه لحادث مروري، عند عودته الى طرابلس الغرب؛ قال للاستاذ عبدالرحمن الذي كان يعمل في التسعينات هناك، يبارك الله فيك على تربية واخلاق واخلاص ولدك د. احمد..
فبادره بالقول وقد افتر ثغره عن ابتسامة عريضة:
الحمد لله.. انني راض عن ابني الدكتور أحمد.. وارجو ان يكون الله تعالى راضياً عنه.
بعد عودة والده من ليبيا.. فرح احمد بهذا الحدث السعيد وكان يمارس كل يوم مفردات بر الوالدين حتى انه حينما يعود من دوامه من المستشفى قبل ان يلطّف بدنه بالاستحمام فانه يبادر بصبغ حذاء ابيه..
مما دفع والده ان يخفي حذاءه عنه..
فيبحث ويلح من اجل خدمة ابيه وبره..
ذات يوم كانت هنالك اشتباكات عنيفة في مدينة الرمادي... وقع فيها شهداء ابرار...اراد الدكتور احمد ان يغادر المستشفى الى البيت بعد انتهاء الدوام...
قال له الاطباء: نخاف عليك يا دكتور.. الموقف متأزم..
اجابهم: يبدو ان الموقف قد هدأ ويمكنني المغادرة...
ودَّع الدكتور (الاسطورة) زملاءه وداعاً حميماً.. وانطلق بسيارته تنهب الارض نهباً...
لكن قناصاً امريكياً كان يرقب هذه السيارة فصوب سلاحه نحوها فاصابها بنيران كثيفة.. مزقت الجسد الطهور تمزيقاً، ليلحق احمد عبدالرحمن هذا بركب الخالدين من شهداء العراق الابرار..
ولم يمضِ على زواجه سوى ثلاثة شهور..
بعد انجلاء الموقف هرع والد احمد وابنه (علي) الى مكان الحادث لياخذوا الجثمان الطاهر ويجهزوا جنازة الشهيد السعيد احمد..
الله سبحانه تجلّى على ذوي الشهيد باسمه (الصبور) فصبروا واحتسبوا..
طيلة الايام التي تلت استشهاد (أحمد) كان والده عبدالرحمن: يقول انا راضٍ عن احمد وارجو ان يرضى عنه الله تعالى...
مما يمكن تسجيله ذلك البكاء الجميل الذي بكته والدة المرحوم (احمد)، (ام علي) والابتهالات والادعية التي ما فترت عنها...
حقاً... كان بكاءً جميلاً.. لأنه كان متزامناً مع تلك الدعوات الضارعات من أم باكية... والى ربها شاكية من ظلم الظالمين وقساوة المتجبرين لكنها صابرة على البلوى...
تتململ في محراب النجوى بين يدي الولي المولى.. في نعي يفل حتى الحديد ولسان حالها يقول: ((انما اشكو بثي وحزني الى الله)).