| لمسات بيانية في سورة الكوثر/ الدكتور/ فاضل صالح السامرائي   عدد القراء : 706   .
سورة الكوثر تأتي في الترتيب في المصحف بعد سورة الماعون (أرأيت الذي يكذب بالدين)... وهي تقابل هذه السورة من نواح عديدة: سورة الماعون أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون سورة الكوثر انا اعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر (المقصود بالنحر التصدق) فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (سهو عن الصلاة) فصل لربك وانحر (أمر بالصلاة ودوام عليها) الذين هم يرآؤون (مرآءاة في الصلاة) فصل لربك وانحر (اخلاص الصلاة لله) الذي يكذب بيوم الدين (لا يصدق بالجزاء ويوم الدين) انا اعطيناك الكوثر (الكوثر نهر في الجنة وهذا تصديق بيوم الدين والجزاء) كل الصفات في هذه السورة تدل على الابتر لأنه انقطع الخير عنه فهو الابتر حقيقة (يكذب بيوم الدين, لا يدع اليتيم، لا يحض على طعام المسكين) ان شانئك هو الابتر (والابتر هو من انقطع عمله من كل خير وسورة الكوثر هي انجاز لما وعد الله تعالى رسوله في سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) في سورة الضحى وعد من الله بالاعطاء وفي سورة الكوثر عطاء وتحقق العطاء. وفي سورة الكوثر قال تعالى (انا اعطيناك الكوثر) وإنا تفيد التوكيد وفي سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ولسوف تفيد التوكيد ايضاً. وفي سورة الكوثر (فصل لربك وانحر) وفي الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) اي فصل لربك الذي وعدك بان يعطيك وانجز الوعد. انا اعطيناك: في بناء الآية لغوياً يوجد تقديم الضمير إنا على الفعل أعطيناك وهو تقديم مؤكد تأكيد بـ (إن) وتقديم ايضاً. فلماذا قدم الضمير إنا؟ اهم اغراض التقديم هو الاهتمام والاختصاص. فعندما نقول أنا فعلت بمعنى فعلته أنا لا غيري (اختصاص) وأنه خلق الزوجين ...ونوحاً هدينا من قبل.. (تفيد الاهتمام) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان...(تفيد الاهتمام ) لم يقصر السماع عليهم وحدهم انما سمع غيرهم ايضاً. في الآية إنا اعطيناك الكوثر يوجد الامران: الاختصاص والاهتمام. فالله تعالى أعطى نبيه الكوثر اختصاصاً له وليس لأحد سواه وللإهتمام أيضاً واذا كان ربه هو الذي اعطاه حصرا فلا يمكن لأي أحد ان ينزع ما أعطاه الله من حيث التأكيد في تركيب الجملة. إنا: ضمير التعظيم ومؤكد أعطيناك: لماذا لم يقل آتيناك؟ هناك تقارب صوتي بين آتى وأعطى وتقارب من حيث المعنى ايضاً لكن آتى تستعمل لما هو أوسع من أعطى في اللغة فقد يتقاربان. آتى تستعمل لأعطى وما لا يصح لأعطى (يؤتي الحكمة من يشاء) (ولقد آتينا موسى تسع آيات) ( وآتيناهم ملكاً عظيماً). آتى تستعمل للرحمة، للحكمة، للأموال (وآتى المال على حبه) وتستعمل للرشد (وآتينا ابراهيم رشده). آتى تستعمل عادة للأمور المعنوية (لقد آتيناك من لدنا ذكرا) وقد تستعمل للأمور المادية ايضاً. أما أعطى فهي تستعمل في الامور المادية فقط (وأعطى قليلاً وأكدى) (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى إذن آتى تستعمل للأموال وغير الأموال وأكثر استعمالها للأمور الواسعة والعظيمة كالملك والرشد والحكمة. وأعطى للتخصيص على الأغلب وهناك امور لا يصح فيها استعمال اعطى أصلا كالحكمة والرشد. وما دامت كلمة آتى اوسع استعمالا فلماذا اذن لم يستعمل آتى بدل أعطى؟ الإيتاء يشمله النزع بمعنى انه ليس تمليكا انما العطاء تمليك. والإيتاء ليس بالضرورة تمليكا (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) (وآتيناه من الكنوز....ثم خسفنا به وبداره الارض) اذن الايتاء يشمله النزع اما العطاء فهو تمليك. في الملك يستعمل الايتاء لأنه قد ينزعه سبحانه اما العطاء فهو للتمليك وبما انه تمليك للشخص فله حق التصرف فيه وليس له ذلك في الايتاء. (رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي.... هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب) اي بما انه عطاء من الله تعالى لسيدنا سليمان فله حق التصرف في عطاء الله له. وقد يكون الايتاء آية فليس للنبي حق التصرف بها بل عليه تبليغها ورب العالمين ملك رسوله الكوثر وأعطاه اياه تمليكاً له أن يتصرف فيه كيفما شاء. لماذا قال تعالى الكوثر ولم يقل الكثير؟ الكوثر من صفات المبالغة تفيد (فوعل وفيعل) تدل على المبالغة المفرطة في الخير. وقيل عن الكوثر انه نهر في الجنة وقيل الحوض وقيل رفعة الذكر وغيره وكل ما قيل يشمل الخير الذي اعطاه الله تعالى لرسوله فهو كوثر ومن الكوثر اي الخير الذي انعم الله تعالى على رسوله به. والكوثر يدل على الكثرة المفرطة في الشيء والفرق بين الكوثر والكثير ان الكوثر قد تكون صفة وقد تكون ذاتاً اما الكثير فهي صفة فقط. وكون الكوثر صفة يدل على الخير الكثير وليس على الكثرة (الكثير هو الكثرة) ولكن الكوثر تدل على الخير الكثير والكثرة قد تكون في الخير وغيره. فالكوثر هو بالاضافة الى الكثرة المفرطة فهو في الخير خصوصاً. وقد تكون الكوثر الذات الموصوفة بالخير (يقال أقبل السيد الكوثر اي السيد الكثير الخير و العطاء) ولا يقال اقبل الكثير. النهر عادة هو ذات ولكنه ذات موصوف بكثرة الخير. فالكوثر اولى من الكثير لما فيه من الكثرة المفرطة مع الخير وهناك قراءة للآية (الكيثر) وهي صفة مشابهة مثل الفيصل. والواو اقوى من الياء فأعطى الله تعالى الوصف الاقوى وهو الكوثر وليس الكثير. وفي هذه الآية حذف للموصوف فلم يقل تعالى ماءً كوثراً ولا مالاً كوثراً وانما قال الكوثر فقط لإطلاق الخير كله. وعندما عرف الكوثر بأل التعريف دخل في معناها النهر ولو قال كوثر لما دخل النهر فيه لكن حذف الموصوف أفاد الإطلاق وجمع كل الخير اعطى الله تعالى رسوله الخير المطلق والكثير فهو في حاجة للتوكيد والتعظيم ولذلك قال إنا مع ضمير التعظيم لأنه يتناسب مع الخير الكثير والمطلق وناسبه التوكيد أيضاً في إنا. فصل لربك وانحر لماذا لم يقل سبحانه وتعالى فصل لنا او صل لله ولماذا قال انحر ولم يقل ضح او اذبح. بعد ان بشر الله تعالى رسوله باعطائه الكوثر جاء السبب بالفاء اي اراد منه ان يشكر النعمة التي اعطاه اياها. ينبغي تلقي النعم بالشكر ولم يقل له فاشكر لان الشكر قد يكون قليلاً او كثيراً فلو قال الحمد لله فقط لكان شاكراً لكن هذا الامر الكبير والعطاءالكبير يستوجب الحمد الكثير ولذا طلب الله تعالى من رسوله شيئين الاول يتعلق بالله تعالى وهو الصلاة والثاني يتعلق بالعباد وهو النحر. والصلاة اعظم ركن من اركان الاسلام وهو اعلى درجات الشكر لله والنحر وفيه اعطاء خلق الله والشفقة بخلق الله. فشكر النعم يكون بامرين شكر الله والاحسان الى خلقه من الشكر ايضاً وعندما نحسن الى خلق الله يكون هذا من شكر نعم الله. |