كيف نتعامل مع القرآن الكريم   عدد القراء : 2126   .

 

القرآن الكريم هو ما بقي من وحي في هذه الدنيا، هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (ذلك الكتاب لا ريب فيه) البقرة، ما شانه نقص ولا شانته زيادة منذ نزل الى يومنا هذا.. فهو بحفظ الله مصون من اهواء الناس ووساوس الجن والانس..
وبقاء هذا القرآن هو العزاء الوحيد عن ضياع مواريث النبوات الاولى، لانه استوعب زبدتها وقدم في هداياته خلاصة كافية لها قال تعالى (ان هذا لفي الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى).
فاذا اطلعت الاجيال المتأخرة على هذا القرآن فكأنها وعت ما قاله المرسلون السابقون وانتظمت مع الركب السماوي في الايمان بالله والعمل له..
لكن موقف المسلمين من القرآن الذي شرفوا به يثير الدهشة! ومن عدة قرون ودعوة القرآن المجمدة، ورسالة الاسلام كنهر جف مجراه او بريق خمد سناه..
والامة التي اجتباها الله تتعامل مع القرآن تعاملا لا يجوز السكوت عليه.
كان الجاهلون الاقدمون يصمون آذانهم عن سماعه ويتواصون بالشغب على مجالسه ويجهرون بتكذيب صاحبه حتى شكا صاحب الرسالة الى ربه قائلا (يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)، اما المسلمون المتأخرون فهم يسمعون وقد يتأوهون او يسكنون ولكن العقول مخدرة والحواس مبعثرة ومسالك الافراد والجماعات في وادٍ اخر..
وكأنها تنادي من مكان بعيد
فلا بد من قراءة القرآن الكريم قراءة متدبرة واعية تفهم الجملة فهما دقيقا ويبذل كل امرئ ما يستطيع لوعي معناها وادراك مقاصدها، فان عز عليه سأل اهل الذكر..
والمدارسة للقرآن مطلوبة باستمرار وهي القراءة والفهم والتدبر لسنن الله في الانفس والافاق.. ومقومات الشهود ومعرفة الوصايا والاحكام وانواع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد وما الى ذلك مما يحتاج المسلمون اليه لاستئناف دورهم المفقود.
ومن ناحية اخرى فان اثر القرآن في نفس من نزل عليه القرآن يجب ان يعرف. فالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) (كان خلقه القرآن) كما روت سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) انه كان يعيش في جوٍ قرآني.. ويصدر في سلوكه عن قيم القرآن.. وان عقله الظاهر والباطن مع الله عندما يكون الحديث عن الله وعن الكون وقواه واسراره  مع الماضين في الاتعاظ والاعتبار بمصارعهم ومصائرهم ومسالكهم عندما يكون الحديث في قصص القرآن.. ومع الاخرة عندما يكون القرآن وصفا للجزاء الاخروي وما اعد لهؤلاء واؤلئك.. اي ان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يحيا في جو القرآن.
وهذا مما جعل الامام الشافعي رحمه الله يقول: ان السنة هي فهم النبي للقرآن فهو مرتبط به ارتباطا تاما في حياته في ظاهره وباطنه والامة التي نزل عليها القرآن فاعاد صياغتها هي المعجزة التي تشهد للنبي (صلى الله عليه وسلم) بانه احسن بناء الاجيال.. واحسن تربية الامم واحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق..
لذلك فان العرب عندما تعلموا القرآن تحولوا تلقائيا الى امة تعرف الشورى وتكره الاستبداد الى امة يسودها العدل الاجتماعي ولا يعرف فيها نظام الطبقات الى امة تكره التفرقة العنصرية.. وتكره اخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب.. ووجدنا بدويا كربعي بن عامر (رضي الله عنه) يقول لقائد الفرس: جئنا نخرج الناس من عبادة العباد الى عباد الله وحده.. ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والاخرة.. ومن جور الاديان الى عدل الاسلام.. انهم فتح جديد للعالم وحضارة جديدة انعشت الانسانية ورفعت مكانتها.. لان الامة الاسلامية كانت في مستوى القرآن الكريم والحضارة الاسلامية انما جاءت ثمرة لبناء القرآن للانسان، لذا فان القرآن حول الكلام والتوجيه في تجريدات ذهنية نظرية جدلية كما يفعل الفرس واليونان والرومان الى منطق الملاحظة والاستقراء ومنطق وعي الكون واحترامه.. والتعرف على سنته ومشروعية التعامل معه لعمارة الارض وبناء الحضارة..
من آثار هجر القرآن
غير ان الامة الاسلامية عندما هجرت كتابها او على الاقل اخذت تقرؤه على انه تراتيل دينية فانها فقدت صلتها بالكون فكانت النتيجة ان الذين درسوا الكون خدموا به الكفر.. واستطاعوا ان يسخروه لانفسهم.. ودمائهم.. والحادهم.. وتثليثهم، اما نحن فان كتابنا كتاب الفكر.. وكتاب تجاوب مع الكون بحيث لم نر كتابا سماويا او مقدسا - نوه بعظمة الله في كونه او بعظمة الكون.. كالقرآن الكريم..
القرآن كتاب يصنع النفوس ويصنع الامم ويبني الحضارة.. هذه قدرته، هذه طاقته.. فاما ان يفتح المصباح.. فلا يرى احد النور لان الابصار مغلقة، فالعيب عيب الابصار التي أبت ان تنتفع بالنور.. والله تعالى يقول (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) المائدة..
علينا ان نتبع رضوان الله وسبل السلام لنستطيع ان نقدم سلاما للعالم.. وان ننقل الهدايات القرآنية الى القارات الخمس.
فان هناك في عصرنا خمسة مليارات من البشر محجوبة عن اضواء القرآن لا تعرف عنه شيئا السبب ان المسلمين انفسهم محجوبون عن اضواء القرآن وفاقد الشيء لا يعطيه..
العودة الى القرآن
نرى لا بد من ان نعود لدراسة القرآن.. وتلاوة القرآن عندنا مطلوبة والتعبد بتلاوة القرآن كان لاستبقاء الوحي الذي صانه الله في الاسلام نحن امرنا ان نتلو القرآن، قال تعالى (كذلك ارسلناك في امة قد خلت من قبلها امم لتتلوا عليهم الذي اوحينا اليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا اله الا هو عليه توكلت واليه متاب).. الرعد 30.
ويتحدث القرآن مرة اخرى عن التلاوة التي هي اساس التوكل واساس التوجه واساس صنع النفس البشرية.. وربما تطلعت الشعوب الى معجزة اخرى غير هذا القرآن مثل معجزة تكليم الموتى وتسيير الجبال وقال تعالى (ولو ان قرآنا سيرت به الجبال او قطعت به الارض او كلم به الموتى) الاية 31 الرعد.
ولكن لا.. فهذا قرآن يكلم الرجال ليعيد صياغتهم ويكلم الاحياء ليحقق استجابتهم.. ويكلم العقلاء ليوجه وعيهم فيجعل منهم امة تحمل رسالتها.. وفعلا حملت الامة رسالتها لانها فهمت المقصود من ارسال المعجزة الاخيرة.. وادركت ابعادها وتدبرت مقاصدها، معجزة انسانية تتصل باحياء المواهب الانسانية وتفجير الطاقة البشرية لهذا الخلق واعادة بناء وتشكيل العقل الانساني..
حسن استثمار مرحلة الطفولة للحفظ
ان الحافظة في هذه السن.. (دون العاشرة) هي المهيأة لاستظهار القرآن.. وكلما تقدم السن بالانسان، قلت ملكة الحفظ عنده وتقدمت ملكة الفهم اي القدرة على التدبر والغوص وراء المعاني البعيدة.. فاستثمار هذه السن لاستظهار القرآن وحفظه، مع شيء من تقريب المعاني وعدم الاقتصار على الاشتغال بالحفظ فقط، قد يكون من بعض الحلول المطلوبة لمعالجة ما يمكن ان يترتب مستقبلا من الانصراف الى اللفظ والاهتمام به دون التدبر في المعنى..
وكلنا يعلم ان الصحابة الذين استمعوا للقرآن الكريم كانوا شبابا ويوجد بعض الاطفال الحفظة ولكن لا ننسى ان الوعي او لغة التخاطب بين العرب كانت قريبة من اسلوب القرآن فالفهم واضح.. وكلنا يعلم ان هذه المحفوظات من الآيات التي تنزل كانت تدعم معانيها في نفوسهم، الحياة الواقعية التي تبرز معناها واضحاً، فالحياة الواقعية كانت هي الوسائل المعينة على التمثل والتقدير.. كانت مترجمة او مجسدة في اعمال ووقائع الى جانب تقارب لغة الخطاب.. اي هناك مناخ عملي مجسد لهذه المعاني ينشأ فيه الاطفال.. اما اليوم وبعد ان تباعدت اللغة. وغاب تنزل معظم المعاني القرآنية على حياة المسلمين.. فلا بد من اعادة النظر باستمرار وتوسيع نطاق توصيل القرآن الى الطلبة والاطفال واعمار عقولهم بالمعاني الاجمالية التي تتناسب مع عمرهم العقلي وتعويدهم البحث فيما وراء الالفاظ؟.
وهذا حق، لذلك ورد ان الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يعلم الناس المغازي كما يعلمهم السورة من القرآن، وبديهي عندما تنزل سورة فيها قصة احد والمسلمون خارجون من الهزيمة والفتيان والفتيات والرجال والنساء يشعرون بكل ما وقع فالقرآن الذي يتلى هنا يكون قطعة من الحياة.. وان الصحابة رضوان الله عليهم.. كان عندهم عدد كبير من حفاظ القرآن ولعل الامر الاكثر بروزا عندهم كان تمثل المعاني وترجمتها الى واقع على الرغم من كثرة الحفظة وكتاب الوحي.
ففي حرب اليمامة قتل عدد كبير من حفاظ القرآن ونرى الصحابي الجليل سالم مولى حذيفة رضي الله عنه.. ذلك الرجل العظيم الذي استشهد في تلك المعركة والذي كان احد النماذج لعطاء القرآن.. قال ( بئس حامل القرآن انا ان اوتيتم من قبلي).. فقد عز عليه ان يقال له: احذر يا سالم ان نؤتى من قبلك. فغضب وغرس حربته. ومات مكانها.. ولم يتزحزح امام هجوم المرتدين فكان نموذجا حيا للقرآن الكريم.. عندما يطلق قذيفة حية لاداء رسالة الهدى والنور..
(تقنيات الحفظ وضرورة استمرار التواتر في المشافهة)
يلاحظ بعد تقدم التقنيات التي مكنت من الحفظ والطباعة والتسجيل واسترجاع ذلك بسهولة ويسر. اصبح الاعتماد على الذاكرة في العصر الحاضر محدودا الى حد بعيد.. حيث تقوم تلك التقنيات مقام الذاكرة وكانت الذاكرة في الماضي هي الوسيلة الوحيدة لحفظ القرآن وتواتره.. وقد وجد القرآن مسجلا فقد تكون الحاجة الى حفظ الذاكرة تراجعت.. واصبحت الحاجة الى المدارسة والتدبر هي الاكثر اهمية.. على الرغم مما في الحفظ من ابعاد تبقى مطلوبة.. مثل تكوين المرجعية للطفل وانطباعه باسلوب القرآن وكلماته.. وتكوين ملكته اللغوية الى جانب استمرار تواتر المشافهة وضرورة استحضار الايات في الاداء العبادي. وان كان الحضور القرآني في النفس الانسانية سوف لا يغني شيئاً من تقنيات الحفظ..
واخيرا لا بد من استبقاء التلاوة لان القرآن تميز ببقائه، وبقاؤه يرجع الى هذا السيل العظيم من الحفظة الذين لا ينقطعون في عصر من العصور واستمرار هذه المشافهة في الحفظ وتواترها.. الى جانب الكتابة هو الذي حمى النص القرآني وضمن استمراره، وهذا جزء من رسالة الامة الاسلامية.. جعلنا الله واياكم من الحافظين لكتاب الله والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات وحمانا الله واياكم من الظلم والضلالة، وجعلنا ممن قال فيهم رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) صدق رسول الله.