| ميزان المسلم للأعمال   عدد القراء : 1454   . قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) وقَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بمَا كَانُوا بآيَاتِنَا يَظْلِمُون) قال القرطبي: ((الْمِيزَانُ: الْقُرْآنُ؛ لأَنَّ مَا فِيهِ بَيَانُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ)). وعن أبي الدرداء أنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: (( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإنَّ اللهَ لَيَبْغَضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)). يُسَيِّرُ الإنسانُ أعماله في الحياةِ بأحد دافعين: دافعُ التقوى أو دافع السلطان؛ والتقوَى يحرِّكُها الإيمانُ، والسلطان يجعلُ الناسَ يعيشون في أعرافِ الشريعة كأمرٍ عامٍّ تحميه قوة السلطان، فيحذرُ الإنسان أن يقع في المحذورِ خوف العقوبة إن لم يتوفر عنده دافع التقوى. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ). ولم تكن ثمَّة مشكلة حين كانت دارُ الإسلام (الخلافةُ على منهاجِ النبوَّة أو الخلافةُ على منهاج الملكِ العضوض)، ولكن لما أُخرِجَ المسلمون إلى دارِ الملك الجبريِّ وغابَ السلطانُ الشرعي عن أنظارِهم، وصار يحكمُ في الناسِ بغير الشريعةِ الإسلامية، وغفلَ عن مفاهيمِ الإسلام وأحكامه، وصارَ الكثير منهم يسيرون في الحياةِ على غير هُدى، فيقومون بأعمالٍ على غيرِ ميزان، فتراهم يقومون بأعمالٍ قبيحة يظنُّونها حسنةً، ويمتنعون عن القيامِ بأعمال حسنةٍ يظنونها قبيحةً. ومثال ذلك: تجدُ الرجلَ الوَرِعَ الملازِمَ للمساجد يجادلُ في أمور مباحةٍ أو مندوبة ويتركُ أموراً واجبةً، أو يسكتُ عن المنكرِ الذي لا يُعلم خلافٌ في تحريمهِ، أو أنه يمتنعُ عن إغاثةِ الملهوف أو التعاونِ مع إخوانه في الإنكارِ على المفسدين في الأرض من الضالِّين والمضلين، وهو يظنُّ أن الخوضَ في رعاية الشؤونِ أمورٌ تتعلق بالحكَّام فقط، أو أنه أمر لا يعنيه، والخوض فيما لا يعنيه أمر يستقبحُ. بل يلاحظ شيوعُ كثيرٍ من الأعمال المنكرة شرعاً في المجتمعِ، ولا يكادُ الكثير من الناس يحسُّ بها، بل ربما اعتادَها؛ وإذا اشتغلَ البعضُ بأمورِ الرعيَّة من جانب الاهتمامِ بها نظراً ومحاسبةً، اشتغلَ بها على الطريقةِ الواقعية، لا الطريقةِ الشرعية. إن السببَ في هذا الواقعِ المتخلف عن الإسلامِ للكثير من أبناء المسلمين، هو ما شاعَ من الجهلِ بأفكار الإسلام وأحكامه؛ وأن الكثيرين تأثَّروا بالثقافةِ الوافدة وتشريعاتها المطبَّقة عليهم في ظلِّ غيابِ السُّلطان الشرعي، أو أنَّ بعض الناس قد فَسَدَ دينهُ والعياذ باللهِ، وفي كلِّ الأحوال إن قسماً من الناسِ لم يعُد يتخذُ الإسلامَ لنفسه مِيزاناً يكيلُ به أعمالَهُ ويقيسُ به صلاحَها، ولو انتبهَ هؤلاء إلى أنفسهم لما وقعَ التناقضُ في تصرُّفاتهم مع المبدأ الذي يعتنقونَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). إن الواجبَ على المسلمين أن يجعلوا أفكارَ الإسلام وأحكامه ميزاناً لهم يوزِنُونَ به أعمالَهم حتى يعرفوا حقيقتها قبلَ الإقدامِ على الفعل فيها. وسيما أنَّ الإسلامَ قد عالجَ أعمال الإنسان في الحياةِ ووضعَ المسلم في دائرةِ التكليف ليتعلَّمها ويعملَ بها؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) وقَالَ اللهُ تَعَالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم). وهذا البيانُ هو ميزانُ الحلالِ والحرام؛ فيعرفُ المسلم به الحسنَ، ويعرف به القبيحَ؛ فيُقدِمُ على الفعل الحسنِ لأنه حلالٌ، ويكون إقدامهُ حسبَ درجتهِ فيه وجوباً أو ندباً أو كراهة أو إباحة. ويمتنع عن الفعلِ القبيح لأنه حرامٌ. ويجب أن يكون هذا الميزانَ للشَّرع وحدَهُ، فما حسَّنه الشرع من الأقوال والأفعال هو الحسنُ، وما قبَّحه الشرع من الأقوال والأفعال هو القبيحُ. ومما ينبغي أن يعلم أيضاً، أن هذا الميزان للأعمال دائمي، فلا يصبح الحسن قبيحاً، ولا يتحول القبيح إلى حسن، فما قال الشرع عنه أنه حسن أي حلال يبقى حسناً، وما قال عنه قبيحاً يبقى قبيحاً، فلا تبديل لسُنة الله ولن تجد لها تحويلاً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلا). وبذلك يكونُ الإنسان قد سارَ في طريقٍ مستقيم، وعلى هُدى من أمرهِ، فيدرك الأمورَ على حقيقَتِها بخلافِ ما لو لم يجعَلِ الشَّرعُ مقياساً للحُسْنِ والقبح، بأن جَعَلَ العقلَ مقياساً له، فإنه يسيرُ متخبِّطاً لأنه يصبحُ الشيء حَسناً في حالِ وقبيحاً في حالٍ آخر، إذِ العقلُ قد يرَى الشيء الواحدَ حسناً اليوم ثم يراهُ قبيحاً غداً، وقد يراهُ حَسناً في بلدٍ قبيحاً في بلد أخرى. فيصبحُ الحكم على الأشياءِ في مَهَبِّ الريحِ، ويصبح الحسن والقُبْحُ نسبياً لا حقيقيّاً. وحينئذ يقعُ في ورطةِ القيام بالفعل القبيحِ وهو يظنُّه حسناً ويمتنع عن الفعلِ الحسن وهو يظنُّه قبيحاً. وَعَلَيْهِ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ تَحْكِيْمِ الشَّرْعِ وَجَعْلِهِ مِقْيَاساً لِلأَفْعَالِ كُلِّهَا؛ وَجَعْلِ الْحَسَنِ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيْحُ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وقَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبينًا). |