البصائر تنفرد بتقرير يكشف الغموض الذي رافق تفجير منارتي المرقدين العسكريين   عدد القراء : 1357   .


مطلع الأسبوع الذي حدثت فيه الجريمة قدمت من بغداد قوة تسمى بالمغاوير عناصرها متشحة بالسواد حتى أخمص القدم

تزامنًاً مع الأحداث.. قطع الماء عن سامراء وتوقف شبكة الهاتف المحمول.. الأمر الذي جعل الأهالي في معزل تام

 

اعداد/ قسم المتابعة

 

لمّا خسرت ورقة الاحتلال في سامراء منذ عام ونيّف من الأشهر أي منذ التفجير الأول الذي استهدف قبة مرقدي الإمام علي الهادي وابنه الحسن العسكري رحمهما الله تعالى،ولم تعد تجدي نفعا في جر العراقيين إلى حرب أهلية، ولمّا لم تعد خافية أمام الجميع أفعال الحكومة الموالية للاحتلال والتي تدعم المليشيات المجرمة و افتعلت  الحادث الأول لتتخذ منه مبرراً لها لشن هجماتها وارتكاب جرائمها على الهوية وعلى أسس طائفية.

كان لا بد للحكومة و الاحتلال الذي يقف وراءها من تهيئة جو جديد يقدم التعبئة الميدانية للمليشيات  والمبررات التي تزيد من الهوة بين العراقيين عبر منطلقات طائفية من شأنها أن تذكي نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد ،فجاء الفعل الإجرامي الجديد بتفـجير منـارتي الـمرقد في سامراء ، بعد أيام قلائل من استهداف جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رحمه الله بقذائف دبابة ،ومن قبلها استهداف مرقد الشيخ عبد القادر الـكـيلاني رحمه الله بسيارة مفخخة متزامناً مع تفجير حسينية الأئمة في حي العامل ببغداد، كل هذه الأفاعيل جاءت على ظن من الحكومة والاحتلال من أن لديهما القدرة على فك أواصر الأخوة  التي يتحلى بها أبناء العراق. وفي هذا التقرير سنضع النقاط على الحروف لمعرفة ملابسات حادث تفجير المنارتين بسامراء. فمنذ التفجير الأول في شباط ـ 2006  ومنطقة المرقدين خاضعة لحراسة مشددة من قبل القوات الحكومية وتشاركها أحيانا قوات الاحتلال وذلك بإغلاق أبواب المرقد الأربعة إغلاقاً تاماً ومحكماً ومنع الدخول إليه ،ووضع الحواجز الكونكريتية التي مُنع بسببها مرور السيارات في تلك المنطقة التي تعد مركز سامراء التجاري و قلبها النابض ، ومنذ ذلك الحين ومدينة سامراء تتعرض لهجمة حكومية شرسة وتضييق من المحتل منقطع النظير ،فقد سجلت سامراء رقماً قياسيا ً في عدد مرات فرض حظر التجوال في المدينة ولأيام طويلة كان آخرها الحصار الذي فرض عليها  خلال الشهر الماضي ، وعلى مدى تلك الأيام كثيراً ما كانت قوات الاحتلال تغلق منافذ السوق الرئيس بسامراء وتمنع التجوال ضمن منطقة المرقدين ،ثم تقوم هذه القوات بالدخول اليهما والبقاء هناك لساعات طويلة دون أن يعلم أحد ماذا يجري في الداخل.

وبعد أن فرضت قوات الاحتلال والحكومة الحصار الأخير على المدينة تشددت الحراسة على منطقة المرقد بشكل مضاعف.

فقد تمثلت هذه الحراسة ، بضرب صف جديد من الحواجز الكونكريتية المعززة بالأسلاك الشائكة على المنطقة المحيطة به ، حتى إن المحال التجارية هناك تركها أصحابها وهُجرت لأن المشاة محظور عليهم المرور فضلاً عن المركبات. كما انتشر القناصون على أسطح البنايات المرتفعة المجاورة للمرقد مما جعل تلك المنطقة خاضعة تماماً للقوات الحكومية ، وعلى إثر ذلك أخذ السوق الرئيس في المدينة بالتحول بشكل تدريجي الى المناطق الشرقية من سامراء ، وبدأ أصحاب المحلات والأسواق يتركون منطقة المرقدين ويبحثون عن مناطق أخرى أكثر أمنا ً ،وذلك تلافيا ً للمشاكل الكثيرة التي تسببها القوات الحكومية هناك ، ولعل أقل ما يمكن فعله هو إطلاق العيارات النارية بشكل عشوائي ومن دون مبرر.

وفي مطلع الأسبوع الماضي دخلت الى المدينة قوة جديدة من قوات ما تسمى بـ (المغاوير) قادمة من بغداد كانوا يرتدون ملابس سوادء معتمة تغطي كل واحد منهم من قمة رأسه حتى أخمص قدميه ، ولا تظهر سوى عينيه ، وفي أول يوم لدخولهم المدينة ارتكبوا فيها جريمة شنعاء كان بطلها أحد الضباط المرافقين لهذه القوة حيث قام هذا الضابط بقتل وجرح بعض الشباب وسط سوق المدينة من خلال لعبة(المراهنة)،لعبها هو وعدد من جنوده الذين كانوا يطلقون الألفاظ الطائفية والعبارات الخادشة للحياء، وعبارات التهديد والوعيد ضد أبناء سامراء.

وفي عصر الثلاثاء 12ـ6ـ2007 دخلت المدينة قوة إضافية قادمة من بغداد أيضا ً ، وتوجهت مباشرة الى منطقة المرقدين في محاولة لها لفرض سيطرتها عليهما ، فما كان من القوات الحكومية التي تتولى مهمة حماية المرقدين(وأغلب أفرادها هم من مناطق الشرقاط وتكريت والمناطق المجاورة لها) إلا أن منعتهم، فحصل بين الفريقين شجار  وعراك ابتدأ بالاشتباك باليدين والصفعات  واللكمات والضرب بمؤخرة البنادق ثم تطور الى إطلاق الرصاص من كلا الجانبين وعند غروب الشمس كانت القوة الجديدة قد أحكمت السيطرة على المرقدين والمنطقة المحيطة بهما ، وذكر بعض الشهود ممن يقطنون تلك المنطقة أن هذه القوات دخلت الى المرقدين بعد أذان المغرب من تلك الليلة . وعندما خيم الليل كانت طائرات الاحتلال تجوب سماء المدينة بشكل ملفت للنظر ، يختلف عن المعتاد ،وذلك من خلال كثرة عدد الطائرات المحلقة،وكثرة الطائرات النفاثة والتي يسميها أهل سامراء بـ (الطنانة) التي تقوم بمهام رصد وتصوير ، وتكون مميزة أثناء الليل ،  فضلاً عن الدوريات التي ملأت أحياء المدينة بضجيج الآليات التي أخذت تنتقل من شارع إلى آخر.

ومنذ الصباح الباكر ليوم الأربعاء 13ـ6ـ2007  وكما ذكر الشهود الذين لفتت انتباههم أربع طائرات تحلق فوق الجسر والمناطق الغربية من المدينة المتاخمة لنهر دجلة بصورة دورية ومنتظمة ، وتنطلق منها ومضات ضوئية في فترات زمنية ثابتة ،أي إن الطائرات كانت تحلق فوق منطقة تبعد عن المرقدين مسافة أقل من كيلومتر واحد ، واستمرت الطائرات الأربع على هذه الحال حتى إذا بلغت الساعة التاسعة والنصف انصرفت الى جهة مجهولة.

وفي هذه الأثناء حصل تفجير المنارتين ،ففي الفترة الزمنية التي تجاوزت الساعة التاسعة صباحا ً بحوالي عشرين دقيقة دوّى إنفجارٌ هائلٌ تبعه بلحظات إنفجار آخر لا يقل عن سابقه في الشدة ،فمُلئت منطقة  المرقدين بالدخان الكثيف المصاحب للتراب الأمر الذي أفزع الناس هناك فلم يعد أحد منهم يستطيع أن يرى من بجواره من شدة الحلكة ، إضافة إلى أنهم يحاولون معرفة ما حصل..

ولم تمض سوى دقائق حتى انجلى الغبار وظهرت الحقيقة ، فقد انهارت منارتا مرقد الأمامين العسكرين في سامراء.

تبعد المنارتان عن بعضهما بحوالي 25 مترا، ومن طريقة انهيارهما  تبين أن كل منارة وُضِعَت في أسفلها من الداخل شبكة من مواد متفجرة مصنوعة بطريقة هندسية ودقيقة تم التحكم بها عن بعد ما أدى إلى إنهيار المنارتين بصورة عمودية إلى الأسفل ،وهي تماماً الطريقة نفسها التي تم بواسطتها تفخيخ القبة قبل عام وأربعة أشهر ، أي أن من قام بهذا الفعل وذاك هي جهة واحدة ، لها خبرة  في هذا المجال و،تستخدم تقنية متطورة جداً ، وهندسة تفجير متقدمة.

وعلى الفور خلت المنطقة المجاورة للمرقد من الناس واقفلت المحلات التجارية ولزم الناس بيوتهم في ترقب.

وفي الساعات التالية للحادث تم إعلان فرض حظر التجوال ،فيما حلقت طائرات مقاتلة في سماء المدينة وأخذت تطلق الأقراص الحرارية ،وخلال ذلك كانت القوات الحكومية تطلق النار في كل اتجاه بشكل عشوائي وكثيف.

بعدها أخذ المشهد في سامراء صورة أخرى : فقد انقسمت المدينة إلى قسمين : قسمها الغربي والذي يضم مرقد الإمامين العسكريين خضع لاجراءات أمنية مشددة قامت بها قوات الاحتلال والقوات الحكومية المصاحبة لها  وفرضت فيها حظر تجوال ،ثمّ دخلت المدينة  قوات إضافية تعدادها بالمئات ظاهرها أنها من (المغاوير) وفي حقيقتها ـ وفق المعلومات التي حصلنا عليها ـ أنها من مليشيا (جيش المهدي) ومليشيات أخرى جاءت بزي المغاوير تحت وصاية الحكومة وتستقل سياراتها، وانتشرت جميع هذه القوات في مناطق سامراء الغربية بكثافة وحول المرقدين بشكل خاص. أما إطلاق النار هناك  فهو دون انقطاع،كان من نتائجه  أن قتل عدد من المواطنين نتيجة القصف العشوائي وجرح آخرون ، فيما شنت قوات الاحتلال الأمريكي والقوات الحكومية حملت مداهمة إعتقلت على إثرها عشرات من أبناء المناطق الغربية كحي  الإمام وحي السكك وحي الزراعة وغيرها.

أما القسم الشرقي من سامراء فقد حلّقت طائرات الاحتلال فوقه بشكل منخفض ومتواصل .ومنه انطلقت بعض المقاتلات لتتجه صوب القرى التي تقع شمال سامراء (قرى الجلام وما جاورها) لتقوم بشن غارات وقصف لبعض المواقع هناك ، ما أدى إلى حدوث أضرار مادية وإحراق عدد من السيارات المدنية في تلك القرى.

تزامنت هذه الأحداث التي شطرت المدينة بإنقطاع ماء الشرب عن بعض مناطقها ،توقف شبكة الهاتف المحمول الأمر الذي جعل أهالي المناطق الغربية في معزل تام ، فهم ممنوعون من أي حركة ، ولايسمح لهم حتى بالخروج من منازلهم ، ودخل الوضع الإنساني في سامراء الغربية مرحلة حرجة جداً ،والجدير بالذكر أن الشارع الفاصل بين المناطق الشرقية والغربية لا يتعدى عرضه 6 امتار ، ورغم ذلك لا يستطيع أي كائن أن ينتقل من هذا الجزء الى ذاك وإلا تعرض للقتل كما حصل لعدد من الأبرياء حين ذهبوا ضحية على يد القناصة الذين لزموا البنايات العالية ، واتخذوها مراصد لهم.

يرى السامرائيون ومن خلال استهداف المرقدين في مدينتهم مؤامرةً يراد منها  الحصول على غايات ومكاسب تخدم المحتل والمهيمنين على الحكومة و العملية السياسية التي أنشاها الاحتلال ، خصوصاً وأن الجناة الذين قاموا بهدم القبة قبل عام ، عادوا اليوم فنسفوا المنارتين  ، ونصّبوا أنفسهم حراساً حول بقايا المرقدين ،وهو ما يراه السامرائيون  استخفافاً بهذا البلد وعناوينه البارزة وأعلامه الشامخة ،واعتداءً سافراً على المقدسات التي من شأنها أن تزرع بذور وحدة  الصف ولمّ الشمل.

وما يربطهم بالإمامين العسكريين له من المكانة لديهم ما يفوق كل إعتبار، ففضلاً عن حبهم لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم ينحدرون من النسب الطيب ذاته الذي ينتسب إليه الإمامان.