قصة من واقع العراق   عدد القراء : 1686   .

الأمريكان.. وعلاوي

لم يكن علاوي مناضلاً سابقاً، ولم تطأ قدماه شبراً واحداً خارج حدود الوطن، ولم يكن مسؤولاً مهماً او غير مهم في الدولة العراقية الجديدة او القديمة. ولم يرأس حزباً او حركة او تجمعاً، ولم يرشح لانتخابات المجلس الوطني، انما علاوي هو احد ابناء هذا الوطن الصابر، وهو ابن العشرين ربيعاً، ومن عائلة حالها يشبه الى حد بعيد حال معظم العائلات العراقية، ويعمل في مجال فحوصات التربة المعدة لاغراض البناء والانشاءات.
عاد علاوي من مكان عمله في محافظة الانبار، وهو يقود سيارته متوجهاً الى اهله في بغداد وهو يسابق الريح ليصل الى عائلته وزوجته، التي اقترن حديثاً بها فلم يمضِ على زواجه سوى مشهور قليلة فهو لا يزال يعيش في عسل الزواج، واتصل هاتفياً عبر الموبايل ليخبر زوجته واهله بانه ماضٍ في سبيله متوجهاً الى حيث يسكنون في ضاحية من ضواحي بغداد الجنوبية.
ودخل بغداد ولم يتبقَ سوى كيلومترات قليلة ليصل الى اهله، وما ان وصل الى جسر محمد القاسم، وتهيأ لكي يستدير صوب سكن العائلة، وبهذه اللحظات انطلقت عليه رصاصات اربع لتخترق احداها زجاج السيارة الامامي وتنطلق باتجاه علاوي. لتهشم فكه السفلي وتقتلع معظم اسنانه وتمزق لسانه وتقتلع شفته العليا وتحدث عدة كسور في وجهه الاول يمتد من عينه اليمنى ليصل الى اذنه، اما الكسر الثاني فيمتد من عينه باتجاه فكه الاعلى، وكسر ثالث في الجهة اليسرى من فكه الاسفل.
هذا ما احدثته هذه الطلقة الامريكية المدمسة بالحرية الزائدة قبل ان تنطلق صوب الزجاجة الخلفية لتخترقها وتشق عنان الفضاء الى حيث ما تشاء.
بعد ان حدث ما حدث لعلاوي، وهو يسير في طريق عام يربط بغداد بمدينة الحلة. حاول ان يساعد نفسه بعد ان استجمع كل ما بقي من قواه واستطاع ان يوقف سيارته البيك آب وقوفاً نظامياً، واستطاع ان يترجل منها، ليقع طريحاً على قارعة الطريق يناجي جراحاته التي تنزف دماًعراقياً بريئاً، والجميع يهربون خوفاً وهلعاً من رصاص امريكي طائش يرسل المكان مرة اخرى.
هنا وفي هذه اللحظات علاوي يبقى متحدياً جبروت امريكا ويثبت في مكانه موجهاً نزيفه صوب جنودهم المجرمين. ويزداد تمسكاً في تلك البقعة من المكان حتى يحيل للناظرين بانه تمترس دفاعاً عن هذه البقعة من ارض العراق. وبعد ان استنفد عتابه عبر النزيف المتدفق من جراحاته توقف عن المقاومة وترك جراحاته مستسلماً لغيبوبة.
هنا في هذه اللحظات انطلق بعض المارة نحو جسده المتهاوي على قارعة الطريق وحملوا علاوي الى المستشفى التي لا تبعد سوى بضع مئات من الامتار عن المكان. وهناك القي علاوي في احد ممرات المستشفى، وما من معين يعينه على حاله واعتذر المعنيون في المستشفى عن استقباله بسبب كثرة المصابين برصاص القوات الامريكية.
هنا استجمع علاوي قواه مرة اخرى، وقرر ان يعاود القتال وان يطلب الدعم والمساندة من ابن خالته عبر مكالمة هاتفية تبرع احد المارة باجرائها له وذلك لعدم استطاعة علاوي الكلام. بعد المكالمة التي اجراها الرجل من خلال رقم الهاتف الذي زوده به علاوي. وانطلقت النجدة صوب علاوي من قبل الجميع.
بعد اعتذار المستشفى عن استقباله ارسل في سيارة اسعاف الى مستشفى آخر والوقت يمضي والنزيف بدأ يقل بسبب نفاد الدم من جسده. وبعد مضي ساعات ثقيلة من الزمن ادخلوه غرفة العمليات وبعد خمس ساعات خرج علاوي لينقل الى الطابق الثاني في مستشفى الكاظمية. ويرقد هناك بفك مهشم وجمال مفقود، وبفتحة في الرقبة اعدت لغرض التنفس، وغير مسموح له الكلام،... وعيون دامعة على مأساة حدثت.
عزاؤنا بان علاوي ليس اول عراقي يعتدى عليه، فقبله جاسم، ونصر، ورياض و...و...، والكثير من ابناء الوطن الذين يهانون او يعتدى عليهم من قبل قوات الاحتلال الامريكي، وكم من بريء اردوه شهيداً مضرجاً بدمائه دون سبب واضح وصريح. وكل ما يتخذه هو الاعتذار لذويه.. فليتمعن الناس اين هم الامريكان.. كم هم بعيدون عن المعاني الانسانية... وما جمعيات الرفق بالحيوان التي يعلنون عنها الا اكاذيب مصدرة.. فاين رحمتهم ورفقهم بالانسان كي يؤسسوا جمعيات الرفق بالحيوان؟.
ان ما حدث لعلاوي من اعتداء على شبابه مخلفاً وراءه وجهاً مشوهاً قد يخلق لصاحبه عقدة ترافقه ما تبقى من سني حياته ويكون سبباً في تغير وصلة حياته نحو ما لا يسر الجناة!.