بطانة الخير.. وبطانة السوء   عدد القراء : 2361   .

 

من تولى امر المسلمين، فقد تحمل المسؤوليات الكبرى والامانة العظمى في حفظ الامة والتعهد برعايتها والعمل لمصلحتها، وان يحوطها بالنصح ويخلص لها في عمله، ويعمل على سلامتها وامنها ورفاهيتها ويجنبها الشر ويضرب على ايدي المفسدين والعابثين فيها، ويحفظ على الرعية نفوسهم واموالهم واعراضهم.
عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاشٍ لرعيته الا حرم الله عليه الجنة) متفق عليه.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(اللهم من ولي من امر امتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من امر امتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) رواه مسلم.
فيكون ولي الامر مسؤولاً امام الله عن التقصير بواجباته ومسؤولاً امام امته.
عن ابن عمر رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالامام راع وهو مسؤول عن رعيته..) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم :(ما من امير يلي امور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، الا لم يدخل معهم الجنة).
ولا بد لولي الامر من تحمل هذه المسؤولية والتخفيف من اعبائها، وذلك باعتماده على بطانة الخير والصلاح وذوي الامانة والدين والجرأة في الحق لتتحقق بهم معاني الناصح الامين الذي يبصر بمعايب الامور ونقائص الاعمال، ويحبب السبيل الاقوم واقامة العدل، ونفع الامة، ويزين الحق ويحث عليه، ويبين الباطل، وينفر منه، وبهذا كله تتحقق السلامة والنجاة للأمة، وتنهض وتتقدم بالامناء والاقوياء وذوي الكفاية المخلصين الذين تسند اليهم المناصب العامة في الامة، فينتشر العدل وتطمئن النفوس بازدهار الايمان والسعادة.
عن ابي سعيد وابي هريرة رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة الا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله) رواه البخاري.
ومن كانت له بطانة خير وصلاح عصمه الله من الزلل والخطأ وأمنه من العثار واستأصل جذور الفتنة، وسدد خطاه، وجعله في امن وأمان وايمان واطمئنان.
بتولي بطانة الخير والصلاح، تهزم بطانة السوء والشر، وهي بطانة انتهازية منافقة، ضعفت نفوسها، وفسدت طواياها، وخبثت سرائرها، فلا خير فيها ولا مصلحة ولا سلامة فيهم، الا تحقيق مصالحها الشخصية ومآربها، وبذلك تفتح ابواب الشر والفساد والظلم على الامة، وتقلب الحقائق وتختلط الاوراق، فتختل الامور بسوء الاوضاع والفوضى، فتضطرب الامة وتعلن التمرد.
قال تعالى :((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون))الروم:41.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(اذا اراد الله بالامير خيراً، جعل له وزير صدق ان نسي ذكره، وان ذكر اعانه، واذا اراد به غير ذلك، جعل له وزير سوء، ان نسي لم يذكره، وان ذكر لم يعنه) رواه ابو داود باسناد جيد.
اما اهل الكفر، فلا يجوز اتخاذهم بطانة؛ لكونها من الموالاة، سواء أكان فرداً ام جماعة ام دولة.
قال تعالى :((يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يالونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من افواههم وما تخفي صدورهم اكبر قد بينا لكم الايات ان كنتم تعقلون)) آل عمران:118.
فهذا تحذير من اتخاذ الكفار بطانة، وهم يتظاهرون للمسلمين بالمودة، فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة، وينخدع المسلمون بهم، فيمنحونهم الود والثقة، وهم لا يريدون للمسلمين الا الاضطراب والخيال ولا يقصرون في اعنات المسلمين والكيد لهم والدس، ما واتتهم الفرصة، ولا تغسل احقادهم مودة من المسلمين وصحبة، وهم دونهم في الايمان والعقيدة والمنهج والوسيلة، فلا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة.
قال ابن العربي :(فالمقصود بالبطانة اذن المقربون لدى الشخص، فالمسلمون لا يجوز لهم اتخاذ الكافر بمنزلة صاحب السر، بحيث يقرب ويعظم ويرجع اليه في عظائم الامور ومهامها، ويقضي اليه باسرار المسلمين)احكام القرآن (1783/4).
وقال ابن جرير الطبري :(وكل ذلك يعد موالاة دون ريب، وقد يكون كفراً، اذا اختصهم دون المؤمنين، ورأى انهم اوثق واجدر منهم او حرضهم ضد المسلمين، ويلحق بذلك اتخاذهم اصدقاء مخلصين) التفسير (40/4).
قال الشيخ حسنين محمد مخلوف :(اي لا تتخذوا اولياء واصفياء لكم من غير اخوانكم المؤمنين كاليهود والمنافقين، تصافونهم وتطلعونهم على اسراركم؛ لأنهم لا يألون جهداً في افساد احدكم، ويودون مضرتكم ومشقتكم في دنياكم ودينكم، وآية ذلك ظهور عداوتهم لكم، وما يخفونه منها اشد وافظع، انهم يكرهونكم وانتم تحبونهم، والحال انكم تؤمنون بكتابهم وهم يكفرون بكتابكم وينافقون باظهار الايمان اذا لقوكم، فاذا خلوا الى انفسهم عضوا عليكم الانامل من الغيظ والحنق، وان نلتم حسنة اساءتهم وان اصابتكم سيئة افرحتهم، فكيف تنخدعون بهم، وتتخذونهم بطانة لكم!؟ وبطانة الرجل ووليجته: خاصته الذين يستبطنون امره ويداخلونه، تشبيهاً ببطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن لقربه، والخبال: الشر والفساد، اي لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم شراً وفساداً، او لا يمنعونكم خبالاً اي  انهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئاً منه عندهم، (ودوا ماعنتم) احبوا عنتكم، اي مشقتكم وشدة ضرركم) صفوة البيان ص92-93.
فالحذر من اتخاذ بطانة الشر والفساد من المنافقين والكفار، وتجعلونهم اولياء من غير المؤمنين، اذ ان ما يبطنونه لكم من البغضاء اكثر مما يظهرونه.