ميثاق الشرف الوطني.. وثيقة شرف وطنية   عدد القراء : 1422   .

 

ان مبادرة هيئة علماء المسلمين بطرح ميثاق الشرف الوطني في هذا الظرف القاسي من تاريخ قطرنا العربي المسلم هي تعبير عن وجهة هذه الهيئة المنسجمة مع مصلحة العراق باعتباره بلدا موحدا، وهو جزء من الامة العربية والاسلامية .... ففي الوقت الذي ارتفعت فيه كل الاصوات الطائفية والعرقية واصوات المصالح الشخصية , وانخفض فيه صوت العراقي العربي المسلم الغيور على ارضه وبلده ومجتمعه وعقيدته وعروبته، في هذا الوقت العصيب ظهر صوت الهيئة معبرا عن وجهة المواطن العراقي المخلص لدينه ووطنه وامته.
ان العراق - بترابه وتاريخه وشعبه- هو حصن من حصون العرب والمسلمين، وتراب العراق، وارض العراق هي ملك لكل عراقي سواء كان هذا العراقي عربيا او كرديا او تركمانيا او ارمينيا، وسواء كان مسلما سنيا او غير مسلم سواء كان شيعيا او مسيحيا او صابئيا او يزيديا، فالتراب العراقي هو ملك العراقيين والقطر العراقي هو جزء من الامة العربية الاسلامية.
ان صوت العراقي الغيور على ارض العراق وتراب العراق وشعب العراق، لم نعد نسمعه بعد الاحتلال، الا من ( القليل ) الذي بقي صامدا امام الفتنة الطائفية والعرقية والتي هي ثمرة من ثمرات الاحتلال.
لم نعد نسمع صوت العراقي الغيور بعد ما دخل الجسد العراقي العديد من الغرباء الحاقدين على العراق، وعلى الامة العربية والاسلامية. ان صوت الهيئة هو احد اصوات هؤلاء (القليل) في الظاهر، ولكنه الكثير في ضمير العراقيين.
ان ميثاق الشرف الوطني الذي قدمته الهيئة هو استراتيجية الخروج من النفق المظلم الذي دخل فيه الشعب العراقي بسبب الاحتلال وبسبب ظهور واستعلاء العناصر الغريبة على العراق والمدعومة من الاحتلال.
ان النظرة العامة للميثاق تعطي انطباعاً بان الميثاق يريد حصر المشكلة بين العراقيين، لان توسيع ازمة العراق، وادخال اطراف اخرى لن يزيد الازمة الا تعقيدا، ذلك ان دخول اطراف اخرى في مشكلة العراق مثل الامريكان والبريطانيين ومعهم عشرة جيوش اخرى من دول وبلدان لا يجمعنا معهم لادين ولا تاريخ، ولا قومية، ولا جيران، وكذلك دخول اطراف من الدول المجاورة والتي ليس من مصلحتها وجود دولة عراقية قوية، لن يؤدي الا الى تفاقم المشكلة وتوسعها وتعقدها  وليس هذا فقط، كذلك فان ارتفاع اصوات الذين اصبحوا ادوات بيد هذه الجهات، لن يؤدي الا الى تدمير العراق، فهؤلاء الذين يرتبطون بدول الجوار الحاقدة على العراق، والتي ترى ان هناك ثأرا بينها وبين العراق، هؤلاء لن يحلوا مشاكل العراق.
ان تاريخ الذين يتعاملون مع اعداء العراق سيكون كتاريخ ابو رغال، وحاكم عكا وابن العلقمي، والصفويين وغيرهم من اعداء الامة العربية والاسلامية. اننا يجب ان نعمل كعراقيين للمحافظة على ارض العراق الذي يجمعنا كعرب واكراد، وتركمان وارمن، وكمسلمين ومسيحيين وصابئة ويزيديين.
والعراق كبلد هو من حصة الامة العربية والاسلامية وتاريخ العراق هو تاريخ علي بن ابي طالب، والحسين، وابن مسعود، وابو حنيفة النعمان، والمنصور، والرشيد، والمأمون وابن حنبل، وعبد القادر الكيلاني.
فمن اراد ان يكون امتدادا لهذا التاريخ فهو ابن العراق، ومن اراد ان يرفض هذا الامتداد فهو ليس ابن العراق، وهو غريب عن هذا البلد، ومهما عمل الاعداء فسيبقى العراق للعراقيين . عند قراءتنا للميثاق، نرى ان اول فقرة، تنص على ان الولاء هو لله تعالى اولا، ثم للعراق ثانيا والعراق هو العراق بمدنه، وبشعبه، وبتاريخه، وبعلمائه، وبانجازاته الحضارية.
قبل 2003 وبالتحديد قبل 2003/3/19 كنا نعيش في دولة وفي نظام، كان هناك تطور وبناء بالرغم من حصار ظالم استمر 15 سنة تسبب في قتل الالاف وضيق علينا فرص الحياة، نعم كان هناك استبداد سياسي، كانت هناك اخطاء كبيرة، من النظام السابق، كان هناك فساد اداري ... ولكن بالرغم من كل ذلك كانت هناك دولة تبني والتاريخ محفوظ، وكانت هناك حدود تحمى، وكان العراق جزءا من امة . ولكن اليوم لادولة واضحة، ولا تاريخ محفوظ، ولا متاحف ولا مؤسسات، بل الكل تحطم، تحطمت المؤسسات وسرقت الاموال، ولا حدود تحمى، فلم يعد ذلك الجيش الضخم موجودا . انظروا الى الشوارع، ماذا ترون، ترون اسلاكا شائكة في كل الشوارع،  كتلا كونكريتية ضخمة، جدراً كونكريتية عالية لا نعرف ماذا وراءها، شوارع مدمرة، اسيجة شوارع محطمة، اجراءات امنية صارمة وخطرة، وقد تؤدي بحياتك اذا اخطأت او تجاهلتها.
اليوم نرى مدنا مدمرة، الفلوجة، القائم، حديثة من فعل ذلك؟ انه الاحتلال.. الاحتلال دمر العراق، اذن هذا هو السبب.. فما هو العلاج ... انه خروج الاحتلال او انهاء الاحتلال.
 تصور لو ان شخصا يترصدك  ويريد الايقاع بك، ثم استطاع ان ينقض عليك وقام بطعنك وضربك واهانتك وكسر يدك ورجليك، وجعل دمك ينزف وسرق اموالك، وهو يقول لك، اريد ان احررك واريد ان اجعل منك شخصا عظيما واريد ان اجد لك عملا يدر عليك ربحا وفيرا، ثم ياتي هذا المجرم باصدقائه  الذين ساعدوه في ضربك واهانتك ويقول لك هؤلاء اصدقائي سينقلونك الى المستشفى ويعالجونك ويوفرون لك سكنا وسيارة وملابس فاخرة فهل ستصدق ذلك، وهل من العقل والحكمة مجاراته في ذلك، العاقل والحر لا يقبل بذلك مطلقا. هذا الاحتلال الذي دمر العراق، هل تصدقون انه سيبني العراق، وهل تصدقون ان اصدقاء الاحتلال والذين عاونوه سيبنون العراق ؟؟؟؟
ان المخرج من المشكلة هو انهاء الاحتلال لذلك كانت الفقرة الثانية من ميثاق الشرف الوطني هي رفض الاحتلال، وكانت الفقرة الثالثة هي العمل على انهاء الاحتلال وبكل الوسائل الممكنة والمشروعة، والمثل العربي يقول لا يفل الحديد الا الحديد.
يظن بعض الناس ان انهاء الاحتلال او خروج القوات الاجنبية من العراق سيؤدي الى حرب اهلية، وهذا وهم وربما هي دعاية من الاعداء، وهو عكس  الحقيقة، فالحقيقة ان بقاء قوات الاحتلال هو عقبة في طريق المصالحة  الوطنية، ذلك ان الاحتلال يدعم جماعات على حساب جماعات اخرى، وبالتالي لن يكون هناك استقرار، خاصة وان عدم الاستقرار يصب في مصلحة المحتل لانه سيبرر بقاءه وسيرعب العراقيين في مغبة خروج القوات الاجنبية . الحقيقة ان وجود الاحتلال ودعمه لجهات معينة سيشجع هذه الجهات على رفع سقف مطاليبها واظهار الشدة وعدم المرونة على حساب الجهات الاخرى ،وبالتالي لن تحصل المصالحة، هذا اذا ما احسنا الظن بالاحتلال، اما اذا اسأنا الظن واعتقدنا ان المحتل له دور في اثارة الطوائف والعرقيات فالامر واضح، ان خروج المحتل سيجعل كل جهة تشعر انها لا تستطيع القضاء على الجهات الاخرى، اذا هي فكرت بالمواجهة والاصطدام وبالتالي سيخضع الجميع للامر الواقع خاصة اذا اتفق الجميع او الاكثرية على ضرورة ابعاد كل الجهات الملوث تاريخها بالولاء لغير العراق، وسيتم التفاهم، وكل جهة يجب ان تتنازل عن جزء من مطاليبها ليتم التوازن.. هذا التوازن لن يتم بوجود المحتل.
لقد اكد ميثاق الشرف الوطني على اهمية المصالحة الوطنية والاقلاع عن كل ما يولد الحساسيات ويثير الخلافات ويعرقل المصالحة الوطنية.
ومما يثير الحساسيات هو تلك المصطلحات الفارغة والوهمية التي لا تؤدي الا الى صب الزيت على النار.
قبل ايام مررت في باب المعظم ولاحظت لافتة سوداء كبيرة مكتوب عليها الشهيد.. وتحت الاسم جملة (اغتالته يد الارهابيين من البعثيين والوهابية والتكفيريين) وهذه الصيغة تعطي انطباعا بان القاتل مجهول، لكن الناس مهيئون لتوجيه الحقد والكراهية لجهات معينة، يتم الاشارة اليها بمثل هذه المصطلحات غير المحددة.
ان مثل هذه التوجهات لا تؤدي الا الى عرقلة المصالحة الوطنية وهي تصب في خدمة كل اعداء العراق، فضلا عن كونها مصطلحات وهمية لا رصيد لها من الواقع، ولا تخدم من يتفوه بها ولا تحقق من اهدافه شيئا سوى ما يتعلق بصب الحقد والكراهية.
ثم الغريب وكل الغرابة ممن يتكلمون عن التكفير والتكفيريين، ثم هم انفسهم يكفرون اعلاما من اعلام التاريخ العربي والاسلامي، بل ان احدهم كتب في الفقه وتكلم عن مبطلات الصلاة فقال ما نصه:
ان يتعمد المصلي وضع احدى يديه على الاخرى في حال القيام والتأدب مع الله سبحانه وتعالى في غير حال التقية وهو المسمى بالتكفير) فمن يضع احدى يديه على الاخرى في الصلاة، بقصد التأدب والخشوع لله تعالى، فان ذلك يبطل الصلاة وهذه العملية تسمى التكفير، والذي يفهم من ذلك ان التكفيري هو من يضع احدى يديه على الاخرى في حال القيام في الصلاة. ان مثل هذه المصطلحات والكتابات
لا تخدم الا اعداء الاسلام من الكفار والصليبيين والحاقدين على الاسلام والمسلمين وتاريخ الاسلام.
 ان علينا- كما يقول ميثاق الشرف الوطني ( الحرص على وحدة العراق ارضا وشعبا وعدم التفريط بها تحت اي ظرف من الظروف او عذر من الاعذار) ان مبادرة الهيئة يجب ان تستغل من جميع الاطراف لاجراء  مصالحة وطنية والاتفاق على استراتيجية محددة لاخراج العراق من النفق المظلم وانهاء الاحتلال، وعدم التواكل على الاجانب والذين تلوث تاريخهم بالولاء لغير العراق.