| قصة قصيرة/ بسام الطعان   عدد القراء : 566   .
شقائق الأيام
بين الصحوة والغفوة، ضاقت آفاقه بدمع الأسى، اجتاحته حسرة الظمآن حين يرى الماء، وهرعت لهفته صوب الوجه الذاهب من لؤلؤة العين إلى هجير الفناء. لزمان حلو وفضاءات بهية، تشتعل قناديل الشوق، فيناديه بؤبؤ العين، لكن النداء الملون بالحسرات يسير فوق ضفاف الهم، ويتوه في براري الهباء والهواء. صارت أيامه حيارى وهو يتوق لبلسم يداوي رقائق جراحاته ، فيلم شتاته المبعثرة ويثور مثل اللهب المتصاعد من الجمرات ، وقبل أن يهوي رماداً، ينشر حروف الكلام ليخترق حواجز الصمت الكئيب، يرسم لنفسه المسارات, يسخر من سهام الزمن ، يتمنى أن يطفىء المصابيح الحزينة التي أضناها السهر، لكنه يرى برازخ لا يمكن لمن مثله أن يتجاوزها، عندئذ يرسمه الضيق صوراً خافتة ، ويسبح بين أمواج التمتمات. يتمدد وحيداً في غياهب الفيافي والمنافي ، يستمع لرنين دمه المبعثر فوق صورته النازفة ويراه نجمة باكية، يحاول الاقتراب منه نظرة نظرة ، لكنه يبتعد بهدوء ولا يبقى في الإطار غير الفراغ، يناديه مرة أخرى، فيسمع صدى كلماته تخترق رأسه كحد الفقر: ( الحياة لها دروب كثيرة، وهذا أمر تفرضه قوانين الحياة نفسها، كل درب له طبيعته، منه المهلك، ومنه الصعب القاسي، ومنه الأقل قساوة ، ومنه المفروش بالورود والرياحين، الحياة وجهان يا أنت، وجه يبكى وآخر يضـحك). يغيب الصدى فيلتفت يميناً، يرى شقائق شرود على وجه ملفح بالأنين وملون بطعنات السنين ، نظراته تقترب منه، وحواسه تتناغم في حقول الفوضى، بينما البرد يكدس كل وخزاته فوق جسده. يبدو مثل مدينة تسقط عليها قنابل الحقد، فتخرج صاحبة الوجه الملفح من عزلتها اللامعة والدامعة ، تحملق فيه , تضمه بأجنحة متعبة مستسلمة للوسن، وتدفئه بحرارة أنفاسها:(إلى متى يا دنيا؟ بل إلى متى يا الله؟ إلى متى سأظل مبللة بالدموع والأحزان ومحاطة بالعذاب؟ كل يوم يمر ، يضخ في الدم صخب الآهات، ويستيقظ الوجع ملتهباً، لقد تعبت ولم أعد أحتمل، إلى متى سأظل أنزف ألماً وبؤساً؟ الحمل ثقيل ولا أستطيع أن أحمله). تمتمت ذلك وهي تتكــحل بالبرد والنار والانهزام والضياع. كانت تنسج من حزنها رداء يلفه وتوقد دموعها شموعا ً، وعندما سقطت الحبات البلّورية على وجــهه، زرع بذور نظراته في وجهها وحاول النوم لترتاح. مع الصباح المغسول بدمع الندى، بدأ قلبه بالتدحرج فوق أديم العذاب من جديد، فبعد ساعات من نسيان طعم الحياة المر، صحت الحطام, ودوت شظايا الأوهام ، فقد بدأ أصحاب القلوب الحجرية يفرشون أمامها الورود: ـ ابنك أضحى يافعاً.. هناك من يريدك وحدك ليصعد بك إلى قمة الحياة. ـ لا لن أتخلى عنه.. ســنخط طريقنا معاً.. قد نقع في حفر العذابات حيناً , وقد نجلس فوق أرائك الراحات حيناً آخر, ولكننا سنعزي أنفسنا ونقول يكفي أننا معاً. حين سمع كلماتها , ترك دروب التيه والخوف وصار يستمتع بمشهد الحياة. تساقطت الأيام كسبحة قطع خيطها، لكنه لم يستطع أن ينسى أبيه، ظل يبحر في الذاكرة، يرسم تفاصيل وجهه ويتيه في غابات الشرود، ولكن الحياة لها دروب كثيرة، ومن يملك الجلد سينال ما يريد لا محالة، صار يحب الحياة يوماً، ويكرهها يوماً آخر، ومع مرور الأيام بدأ يبتسم ، ثم يضحك , ثم يعشق الحياة بكل دروبها الوعرة، كل هذا حصل لأنها أوجزت حزنها وقالت له وهي تزنره بالقـُبل: ـ ستبقى في لؤلؤة العين كما هو باق، ولن يكون الحزن لامعاً بعد الآن، وستصير الأيام لنا بستان نارنج. وبالرغم من آية الحرمان، فتحت نوافذها للحياة، وامتطت خيول التحدي ، ثم تخاصمت مع الماضي وقاطعته للأبد ، بدأت تشتغل نهارا، وتروي له الحكايات إلى أن يطل النعاس ، حكايات لها معاني البطولة وعدم وجود المستحيل، وظلت تفرش له أوقاتها حريراً إلى أن حلق في الأعالي، وصارا لا يعرفان غير وجه الحياة الذي يضحك ويضحك. |