مفتي البوسنة الشيخ (مصطفى تسيريتش) للبصائر   عدد القراء : 1308   .


العراق مهدُ الحضارات واحتلاله خطأ تأريخي كبير

تعد القضية العراقية من القضايا التي تنال اهتمالاً كبيراً وسط العالمين العربي والإسلامي ، لأنَّ العراق يعد انموذج الحضارة ، وهو البلد الذي طالما عرف بتأريخه وعراقته وماضيه المشرق.....ويشهد عالمنا الإسلامي ببلدانه المختلفة مزيداً من التعقيد والتضييق ، كان من بينها (البوسنة) التي كانت قد شهدت أحداثاً مثيرة في القرن الماضي...

وحديثنا اليوم مع مفتي البوسنة الشيخ الدكتور مصطفى تسيريتش ، الذي سيحدثنا عن أحوال البوسنيين وأوضاعهم ومشاكلهم ، وما يتعرضون له ، بالإضافة الى القضية العراقية

البصائر/ نرحب بكم فضيلة الشيخ بهذا اللقاء وبداية نود أن نخبرك بأنَّ العراقيين رغم ما يحل بهم من مصائب وفتن وعزلٍ عن العالم الخارجي بسبب الاحتلال فإنهم يحبون أن يعرفوا أوضاع اخوانهم في كافة أرجاء الأرض... هل من الممكن أن تحدثنا عن أحوال المسلمين في البوسنة؟

د.مصطفى:نحن في البوسنة نود ان نعرف كيف اهل العراق الآن أكثر مما في حاجة أن نحدثكم عن حالتنا ... لكن ما دام أنت سألت كيف وضع المسلمين في البوسنة فربما اقولها في كلمة صغيرة، وضع المسلمين في البوسنة أفضل مما أراده الاعداء واسوأ مما يحبه الاصدقاء، بمعنى أن الذين ارادوا ان يبيدونا نهائيا ما نجحوا في ذلك لكن تركوا لنا كثيرا من المشاكل كالارامل والايتام والدمار والمعوقين وتدمير المساجد واللاجئين والمشردين وهكذا لكن الآن السلام قائم وهذا شرط من شروط ازدهار وتقدم المسلمين نحن نتابع الآن ما يحدث في العراق - سنأتي فضيلة الدكتور الى ما يحدث في العراق.

البصائر/ فضيلة الشيخ كم يبلغ عدد سكان البوسنة؟

د.مصطفى: البوسنة والهرسك هي دولة لها تأريخ الف سنة يعني مجموع سكان البوسنة والهرسك أربعة ملايين كانت قبل الحرب ونستطيع أن نقول ان 51% من هذا السكان مسلمون يعني نحن أغلبية والآخرون هم صرب ارثوذكس والكروات هم كاثوليك ، ونحن بوسنويون يعني بوشناك قومياً ، وديننا الاسلام لكن مجموعة البوسنويون (البوشناك) في العالم هم ثمانية ملايين ، أربعة منهم يعيش الآن في تركيا ؛ لأنهم هاجروا من البوسنة في أواخر القرن التاسع عشر بعد مؤتمر برلين بعدما استولت على البوسنة المملكة النمساوية وكثير من المسلمين هاجروا الى تركيا وهم الان يسكنون القرى الخاصة بهم في تركيا حوالي اربعة ملايين، ونحن بتقديرنا مليونان من البوشناك هم الان يعيشون في جميع انحاء العالم في امريكا واستراليا واوربا فبهذه المجموعة ثمانية ملايين من المسلمين.

البوسنويون الان موجودون في العالم لكن ليس لهم دولة خاصة بل هم يشتركون في دولة البوسنة وفي صربيا وكرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا وكوسوفو وهكذا ، لكن أكبر مجموعة المسلمين في البلقان في شبه جزيرة البلقان وانت تعرف ان الاسلام دخل الى اوربا على بابين باب شبه جزيرة ايبيرية التي هي الاندلس في القرن الثامن بقيادة طارق بن زياد وبقي الاسلام هناك ثمانية قرون وانتهى كما تعرف وبعد ذلك دخل الاسلام في شبه جزيرة البلقان في القرن الرابع عشر على يد الاتراك ونحن البوسنويون والالبانيون نتيجة لهذا الدخول.

البصائر/ الان البوسنويون والمسلمون في الكوسوفو عموماً تقول ليس لهم دولة مستقلة ولكنهم يشتركون في الحكم مع غيرهم في كل هذه الجمهوريات هل من الممكن ان توضح لنا ذلك؟

د.مصطفى:نعم الى حدٍ ما ، لكن اكثر الاشتراك في البوسنة والهرسك لان في البوسنة أغلبية مسلمة لكن اشتراكهم في الجمهوريات الاخرى في الجبل الاسود وصربيا وكرواتيا وسلوفينيا قليل او غير موجود ؛ لان المسلمين ليس لهم الان قوة محترمة تستطيع ان توفر لهم الحقوق والاشتراك في الدولة ؛ لأنهم جزء من العالم الاسلامي كما تعرف - يعني قوتهم من قوة العالم الاسلامي - وهو كذلك، فقوة المسلمين قوتنا وضعفهم ضعفنا.

البصائر / بعد الحرب والاوضاع كيف اعدتم الحياة الى طبيعتها ماذا عملتم في اعادة بناء المساجد والمدارس والمستشفيات؟

د.مصطفى: الحرب تدمر بعض الاشياء التي لا تستطيع ان تعيدها ابدا كما كانت في الاول ، فإعادة الأول صعبٌ جداً لكن نحن لا نستطيع ان نتوقف في الحياة ، فالحياة تستمر ، وأكبر مشكلة عندنا هي علاج النفوس ... كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر) حديث ضعيف بعد بدر، فالجهاد الاكبر واجب الآن ؛ لان كثيراً من الناس يتامى وارامل ، والجروح في النفوس اكثر شدة وألماً من جروح الجسد ، لكن نحن نحاول ان نعالج هذا بأحسن طريقة نستطيع ، لكن من أفضل العلاج هو الايمان بالله سبحانه وتعالى وقضائه وقدره.

البصائر/ كأنك تريد أن تقول : إن البناء المعنوي أصعب من البناء المادي ، أليس كذلك ؟

د.مصطفى:انت تعرف ان الناس في الشدة يكشفوا عن انفسهم ... وبعض الناس يستطيعون ان يتحملوا وبعضهم لا يستطيع فهذا العلاج يأتي على حسب الاشخاص لان بعض الشخصيات قوية لكن عموماً ان اللاجئين الذين شردوا يعودون الآن الى اماكنهم ومساكنهم ليس كما نريد نحن لكن البوسنة تعود شيئاً فشيئاً ، لذلك تجربتنا ممكن ان يتعلم الاخرون منها ، فعلى الرغم مما حدث فأنت في الاخير ستجلس مع الذين كانوا يحاربونك فالصلح صعب لان كلمة الصلح صعبة جداً لبعض الناس ، لكن يوماً ما أنت ستتحدث مع الذين حاربتهم وهم حاربوك ، وهذا الأمر لابد منه ، فالافضل أن تبدأ هذا قبل أن تكون الخسائر التي هي صعبة على جميع الأطراف.

البصائر/ بالنسبة لاعادة الاعمار هل تعتمدون فيه على انفسكم أم هناك من يعينكم من العالم الاسلامي؟

د.مصطفى:نحن وحدنا لا نستطيع ، والان نحن محتاجون الى المساعدة من المجتمع العالمي سياسياً واقتصادياً والاشياء الاخرى ، وأنت تعرف أنه ما زالت هناك المحكمة العالمية للمجرمين في لاهاي الى آخره، العالم الاسلامي ساعدنا كثيرا اثناء الحرب وبعدها لكن العالم الاسلامي اليوم مشغول بقضايا اخرى كالعراق وفلسطين وأمر البوسنة منسي الى حد كبير لكن نحن نفهم هذه الظروف ونحاول ان نعمل بانفسنا ما نستطيع.

البصائر/ هل اثر هذا الانقطاع على نفوس المسلمين في البوسنة ؟

د.مصطفى:طبعاً إذا أنت يؤخذ منك المسكن والقرية والبلد وتشرد ويأتي الناس ليساعدوك ، وكان عندنا حظر على الاسلحة اثناء الحرب على البوسنة والهرسك والآن عندنا حظر آخر وهو حظر على الاغاثة لان كثيراً من الاغاثات الاسلامية التي كانت في البوسنة مشبوهة في نظر أعداء الإسلام فلذلك تركوا البوسنة وخرجوا للاسف الشديد !! وهذا طبعا اثر علينا وعلى نفوسنا لكن نحن لا نستطيع ان نغير هذه الظروف لان البوسنة قضية عالمية وليست قضية محلية فكل ما يحدث في العالم او في اي بلد نحن نتأثر به وخاصة اذا حدث في بلاد المسلمين.

البصائر/ ماذا استفدتم من هذه التجربة التي مرت بكم ؟ بكل معاناتها وآلامها وهل هناك من دروس فضيلة الشيخ تحدثنا عنها ؟

د.مصطفى:هناك درسان انا شخصيا تعلمتهما ، اولاً : القانون ليس في الكتب وانما هو في القلب يعني انت تستطيع ان تغير الكتب المكتوبة ولكن في الاخير الاخلاق والقوانين والقواعد اركان الاخلاق ليست في الكتب وانما في القلوب ولذلك  نحن لابد ان نراعي ما هو في قلوب الناس قبل ان نقرأ كتبهم.

ثانياً : التسامح هو دليل على قوتك ، والتشدد دليل ضعفك لأنك إذا كنت قوياً في نفسك وانت تعرف هويتك وتعرف من انت وتعرف دينك وعقيدتك فانت لا تبالي ممن هو على دين آخر ويخالفك لكن اذا انت ضعيف ولا تعرف من انت وتخاف من الاخرين وتخاف على نفسك انت تصبح غير متسامح لان قوة التسامح هو دليل على قوتك وعدم التسامح والتشدد معناه انك ضعيف في دينك واخلاقك.

البصائر/ شيخ ما يتعلق بالوضع الراهن في العراق : هل تتابعون اخبار العراق ؟

د.مصطفى:نعم اتابع اخبار العراق من خلال قناة الجزيرة والسي ان ان وبعض القنوات الاخرى واحيانا استطيع ان اتابع من بعض القنوات العراقية من بغداد وكذلك اتابع من خلال الدوائر الدبلوماسية واللقاء مع بعض السفراء.

البصائر/ ماهي انطباعاتك عن الاوضاع في العراق ؟

د.مصطفى:الوضع في العراق يخوفنا جدا ويجعلنا غير مطمئنين ، وكيف نطمئن ونحن نرى كل يوم الانفجارات وقتل المئات من الابرياء في الجامعات والشوارع ، والواحد لا يعرف من يفعل هذا.

البصائر/ انتم سمعتم ماذا فعلت قوات الاحتلال من تدمير المساجد وانتهاك الحرمات وتدنيس المصاحف ورسم الصليب عليها وتمزيقها فما هو رأيكم في مثل هذه الأفعال ؟

د.مصطفى:الحقيقة هذه الأشياء يصعبُ التعليقُ عليها لفظاعتها ، ونحن في البوسنة نعرف ما معنى احراق المكتبات واحراق المدن والمساجد.

البصائر/ هل تستطيع يا دكتور ان تربط لنا بين ما حصل في البوسنة وما يحصل في العراق الان ؟

د.مصطفى:اعتقد ان هناك بعض التشابه ولكن العراق لا يشبه باي قضية اخرى ؛ لأن العراق مهد الحضارات ولان العراق ليس ملكاً للعراقيين فقط انما هو ملك للعالم كله انا لا استطيع ان اتصور كيف كان من الممكن ان تحرق المتاحف وانا لم انس ابدا صورة مدير المتحف عندما كانوا يسرقون ما في المتحف اعتقد اننا لا نستطيع ان ندرك حجم ومدى الخسارة والتدمير والقصف على بغداد ... وهذا خطأ تأريخي كبير ... وأدعو العراقيين إلى استغلال هذا الحدث التاريخي الرهيب الذي طال حضارة العراق لأن يكون دافعاً لوحدتهم فيما بينهم وليس هذا تبريراً لهم ان يتفرقوا فيما بينهم.

واخيرا

البصائر: فضيلة المفتي ما هي نظرتكم المستقبلية للعراق عموماً ؟

د.مصطفى:أنت تعرف أن بغداد ليس اول مرة تقع تحت الاحتلال ، المغول جاءوا واحتلوا بغداد وبعد ذلك بنوا بغداد لما اسلموا ولكن شيء واحد اريد ان اقوله للغربيين انه تأريخي: ان الغرب لم يستطع ان يحكم الشرق ابداً ،  الروم لم يستطيعوا ان يحكموا مصر ، الصليبيون فشلوا ان يحكموا فلسطين ، نابليون فشل في حكم مصر ، البريطانيون فشلوا في الهند ، والروس فشلوا في افغانستان فانا بذلك اقول للسياسيين الغربيين لابد ان يفهموا انهم لا يفهمون سر الحياة في الشرق ولا يعرفون كيف يحكم الشرق ولا كيف يعيشون في الشرق هم يستطيعون مثلا ان يؤثروا على الشرق لكن ان يحكموا الشرق لا لانهم لا يفهمون عقلية الانسان الشرقي ولا ثقافته ولا دينه ولا فهمه للحرية ولا فهمه للوقت او الزمن ، لذلك الرسالة واضحة جدا نحن سنعيش بسلام جميعاً او لا احد يعيش بسلام ، لا يمكن ان يكون نصف العالم في الحرية والنصف الاخر بدون حرية.