| صقر في العاصفة   عدد القراء : 1428   . كان ذلك قبل ثلاثين عاماً وكانت الاشياء لم تزل مدوية وساخنة بعد في ذاكرتي وكانت المدينة بطوفان النمطية والانسداد فيها برائحة السخام تملأ فضاءاتها ووقع الخطى الرتيبة في ازقتها يسد عليّ الكثير من البهجة الكثير من الكشف الكثير من الحلم في حين كانت معظم الاشياء خارجها -المدينة- نوعا من الانعتاق نوعا من الكشف. كان الماء ينساب رقراقاً وهانئاً في انهره بروح التلقائية، والهدوء فيه نوع من الكشف نوع من الحلم وكانت الاشجاروهي بعيدة عن الاسيجة وغارقة في صمتها نوعا من الكشف نوعا من الحلم وكانت الارض برائحة الطين فيها نوع من الكشف نوع من الحلم وكانت الصحراء هي الاخرى نوعا من الكشف نوعا من الحلم لم اعشه بعد قبل ثلاثين عامي تلك، كانت عالماً من المواجهة والتجرد واللانهائية لم اعشه بعد، وكان صعباً او هذا ما كنت اردده بين اصدقائي ان يعيش الانسان هذه العمودية الصغيرة فيها، هذا الانبثاق الصغير من رحمها ثم هذا الاتساع الدائري من حوله متلاقياً في افقه بهذه الخيمة الزرقاء من فوقه..ذلك البيت الكوني الهائل دون ان يداهمه ثمة شعور حاد انه في تلك اللحظة انما هو ابن الصحراء الوحيد يسكن خيمتها الكبيرة.. ذلك السمو تلك العزلة تلك العراقة السحيقة في الزمن الماضي ذلك الصمت فيها لا يتخلله إلا صوت الريح يصفر فيها آن لي ان اعيشه للمرة الاولى في حياتي قبل ثلاثين عاماً. كان هذان (عبد الواحد وسمير) اصدقائي في وحدتي العسكرية يضحكان ويسخران مني وانا اتوسل اليهما ان ينزعا عني رفش المدرعة الصغير ويهيلا رمال الصحراء حول جسدي (الامر لا يكلفكما كثيراً، دقائق وينتهي الامر) كنت اتوسل اليهما ورغبة لا حد لها في التوحد، وصحرائي فيها نقطة دافئة وصغيرة من نقاطها تضطرم في قلبي وكان هذا العبد الواحد يدفعني بعيداً عنه (ابتلينا بمجانين بغداد) او (اي متبطر هذا ابتلينا به) كان يخاطب صديقي الاخر سمير.. كانت فورات من الافكار وتوحد مع الاشياء وخوض مبكر في كوامن الاشياء وسنين من العمر طرقتني في باكورة شبابي ثم غادرتني هي الاخرى مثلها بذلك مثل محطات العمر الاخرى.. مثلها بذلك مثل العمر جميعاً. لكن الصحراء ليست دائماً هي تلك منبع الافكار واندفاعاتها بل هي تلك القسوة ذلك التحدي تلك الحرب الضروس بينها وبين الانسان. كان ذلك قبل ثلاثين عاماً في تلك الصحراء القاحلة في جنوب العراق والتي عشناها مرة انا وسمير وعبد الواحد ووحدتي في خدمتي العسكرية الاولى في سبعينيات القرن الماضي.. وكان يوماً قاسياً في حياتي لا اظنني سانساه طيلة حياتي.. الصحراء تلك الرؤى واللانهائية والاتساع كفّت عن صيرورتها تلك ثم أكفهرت واتربت وماجت في عاصفة رملية هوجاء لم اشهد مثيلاً لها في حياتي ابداً.. كانت الكثبان الرملية خلف خيمتنا تزمجر بصوت العاصفة ورائحة الرمل وكانت العليقات شجيرات الصحراء الصغيرة تتمايل وتكاد تقلع عن جذورها.. كان كل شيء في الصحراء؛ كل ذاك السكون الذي كانت عليه قد استحال الى نوع من العصف؛ الى نوع من التمرد؛ نوع من الحرب. واندفعنا انا وسمير وبقية جنود الحظيرة تطاردنا صيحات عبد الواحد للامساك بالخيمة وتثبيتها وشد ازرها في احترابها والعاصفة؛ في معركتها الباسلة تخوضها ضد العاصفة. زعق بنا عبد الواحد يأمرنا مثل صوت واثق يأتي من جوف الصحراء: - ناموا بالحبال، نصف ساعة في الكثير وينتهي الامر عاصفة رملية. اندفع كل منا نحن جنود الحظيرة الى حبل من حبال الخيمة وتشبث به وثبته بثقل جسده للحيلولة دون سقوط الخيمة في حين تمترس بعضنا باعمدة الخيمة من داخلها يثبتونها في امكنتها ويحدون من حركة ارتجاجها تحت ضربات العاصفة.. كانت خيمتنا تتصدى للعاصفة وتخوض ضدها معركة باسلة، وكانت تصر على الصمود في وجهها وتتحداها وكانت تنتصر عليها، وكنا نحن جنود الحظيرة نؤازرها في حربها تلك، ونخوض معركتنا الباسلة ضد العاصفة وكان علينا ان ننتصر.. في تلك اللحظات الساخنة خطر لي خاطر :(لأواجه العاصفة لاحتمل حربها مثلي بذلك مثل خيمتنا واستدرت بجسدي من فوق حبل الخيمة وواجهتها وجهاً لوجه واقبالاً لاقبال، وبادرتني -العاصفة- برشقات ورشقات من الحصى الناعم والرمال في وجهي وجسدي، كانت تلسع مثل زنابير محمومة وجهي وكفيّ، قلت في نفسي لأصمد مثل اختي الخيمة حتى نهاية المعركة لاثبت في وجه العاصفة مثل الخيمة لكن ذلك اللسع المحموم في جسدي وذلك الدفع الهائل الذي عانيته دفعاني الى الاستدارة ثانية الى الوراء من فوق حبلي (لالتقط انفاسي قليلاً قلت والقيت بوجهي وعيني الى قمم الكثبان الرملية الراسخة هي الاخرى خلف خيمتنا في وجه العاصفة وجلت ببصري الكثبان فهالني ما رأيت وانزويت خجلاً في بدلتي العسكرية واناأرى ما أرى. كان صقراً كبيراً يقف هناك فوق قمة احد الكثبان الرملية ويواجه العاصفة دون اكتراث يذكر لعصفها او لجنونها كان لا ينحني امامها او يبحث عن ملاذ آمن بعيداً عن مواجهتها.. وكان ينتصر عليها ورحت اغوص ببصري فيه، ورحت احتمل فظاظتي واقف صقراً في مواجهة العاصفة وكنت اظنني انتصر عليها..مَن الصقور ان لم تكن نحن في مواجهة العواصف؟!. |