| الأسرة في القرآن   عدد القراء : 2353   . الحلقة الأخيرة معنى الفعل (ضَرَبَ) و استخداماته القرآنية في تأويل قول الله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 72-73) في تأويل هذه الآيات ذكر محمد أسد في ترجمته الإنجليزية (رسالة القرآن) كلامًا نفيسًا نلخصه في هذه السطور. فبعد أن ذكر كلام كثير من المفسرين الذين فسروا الآية بأن هذا أمر من الله أن يضرب الناس جثة الميت الذي اختلفوا في قاتله المجهول من هذه الجماعة اليهودية، ودرأ كل واحد منهم الجريمة عن نفسه، أن يضربوا الجثة بشيء من لحم البقرة التي أمرهم ربهم أن يذبحوها، فإذا بالميت يعود للحياة وينبئ عن قاتله. وينكر أسد هذه القصة التي يقول بأنه لا أصل لها في أحاديث صحيحة أو في القرآن أو حتى في الكتب المقدسة القديمة. ثم يتابع أسد مادة (ضرب) في القرآن فيجد لها استخدامات متعددة ليس منها الضرب الجسدي في استخدامنا العادي، والذي يعني الصفع أو الركل أو الوكز أو الصك أو اللطم، وهي ألفاظ استخدم بعضها في القرآن لتعبر عن الضرب في الاستخدام الدارج. فالضرب في الأرض بمعنى السفر، وضرب الله مثلا بمعنى صاغ مثلا، وضربت عليهم الذلة والمسكنة بمعنى فرضت عليهم الذلة والمسكنة، وعلى نفس الضرب أي بنفس الطريقة. وينتهي أسد إلى معنى (اضربوه ببعضها) إلى القول (بفرض) قانون الفداء الجماعي في بعض الحالات التي يجد المجتمع فيها نفسه أمام جريمة جنائية قام بها فرد أو أفراد من جماعة ما، وليس معروفًا على وجه اليقين من الذي قام بهذه الجريمة من هذه الجماعة، هنالك يأمرنا الله أن نفرض على هذه الجماعة قانون الفداء الجماعي، والذي تمثل في تلك الحالة في ذبح بقرة. ونلخص رأي أسد في تأويله لمعنى (اضربوه ببعضها) أي طبقوا قانون الفداء الجماعي (ذبح بقرة في هذه الحالة) ببعض حالات جرائم القتل المجهلة، أي أن معنى (اضربوه ببعضها) أي (افرضوه ببعضها). الأسرة المثالية في الوصف القرآني: (الرجل القّوام) و(المرأة الصالحة) يقول الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء: 34). وفي اللغة: القَوَّام اسم لمن يكون مبالغًا في القيام بالأمر، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقَوَّامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها. فالأسرة المثالية هي هذه الأسرة التي يكون فيها الرجل قوامًا على أمرها بما حباه الله من صفات المروءة والشهامة والكرامة فهو يذود عن أسرته ويحميها ويرعاها وينفق عليها ويقوم على كل أمر من أمورها، فهو ليس فقط قائما على أمرها وإنما هو قَوَّام بصيغة المبالغة. هذا القَوَّام الكريم تقابله امرأة صالحة حانية مطيعة لربها متناغمة مع زوجها حافظة لغيبه بما أمر الله به أن يحفظ، أي أنها معينة له على أمر دينه وأمر دنياه. هذه هي الأسرة المثالية في الوصف القرآني. وبالطبع معظم أسرنا بعيدة عن هذه المثالية القرآنية، وكثير منا يريد من زوجته أن تكون في قمة الصلاح بينما هو لا يبلغ من درجة القوامة قليلا، أو تريد الزوجة أن يكون زوجها قواما بينما هي في الدرجات الدنيا من الصلاح. إن الأسرة المثالية (الرجل القوام والمرأة الصالحة) هي النموذج الذي ينبغي أن نسعى إليه ويعذر بعضنا بعضا إذ لم نبلغه. فماذا لو كان الرجل قوامًا وظن أن امرأته نشزت عن الصلاح المرتجى؟ أو بالتعبير القرآني خاف نشوزها؟ وبالطبع فإن كلمة النشوز هنا تعني النشوز عن الصلاح الذي يولد الاستقرار في الأسرة، ولا يعني بالطبع وقوع جريمة أخلاقية، فمثل هذه الجرائم يتم عقابها في المجتمع وليس داخل الأسرة؛ فالنشوز هنا قد يعني التفريط في بعض الواجبات الدينية أو الصدود عن الزوج والتجهم عند لقائه، أو التوتر في العلاقات معه أو تضييع الأوقات فيما لا طائل منه، أو إهمال الواجبات الأسرية، أو خلق المشاكل مع الأهل والجيران، كل هذا وأمثاله يمثل نشوزًا عن الحالة السوية للأسرة وقد يكون أول معول في هدمها، ومن ثم وجب أن يكون هناك علاج هادئ داخل سياج الأسرة، ويبدأ العلاج بالوعظ. والوعظ يخاطب العقل والقلب ثم يستمر العلاج بالضغط على الحاجات الغريزية التي تجمع الرجل والمرأة وهي الحاجة إلى الجنس. وهذا الجزء من العلاج هو علاج للرجل والمرأة لأنهما كلاهما في حاجة إليه. فربما كان الرجل مبالغا في تشخيص نشوز زوجته، وربما أدى ذلك إلى العجلة في الطلاق، ولكنه إذا تمهل وهجر المضجع فسوف يشعر بألم ذلك وشدته عليه، فربما راجع نفسه وتريث في الحكم على الأشياء واتخاذ المواقف المتعجلة، ونفس الهجر سوف يدفع بالمرأة أن تراجع نفسها، وفي الأمثال يقولون: إن الجنس يصلح ما لا يصلحه القاضي، وهي حكمة مجربة. ثم ماذا بعد الوعظ والهجر في المضجع! قال تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). كنا قد ذكرنا من قبل تأويل أسد كلمة (ضرب) في قوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). ورأينا أنه اختار تأويل (فاضربوه ببعضها) بمعنى افرضوا قانون الفداء الجماعي في بعض الحالات، ورغم هذا الوضوح المستنير في تأويل أسد لهذه الآية فإنه لم يطبق نفس القاعدة عند تفسيره لكلمة (واضربوهن). حيث أربكته مجموعة من المرويات تؤكد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان حازمًا في موقفه الناهي عن ضرب الرجل لامرأته، وأُثِر عنه ما معناه (كيف يضرب الرجل امرأته كما تضرب الإماء ثم يضاجعها في الليل؟) أو قوله (لا تضربوا إماء الله)، وقيل إنه لما نزلت هذه الآية قال: (أردت أمرا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير). وفي ضوء هذه المرويات التي تؤكد موقف الرسول (صلى الله عليه وسلم) الشخصي -العملي- من ضرب الرجل لامرأته، وهو موقف رافض بشدة لضرب النساء، ومع التأويل السائد (واضربوهن) بمعنى الضرب البدني استقر رأي الفقهاء على أن هذا الضرب ضرب رمزي مثل الضرب بالسواك أو فرشة الأسنان أو بمنديل اليد وهذا معنى الضرب غير المبرِّح. ولو تحرر أسد في تأويله لهذه الآية من الأخبار المروية التي تربطها ببعض هذه الأحاديث، وأوَّلَ الضرب بالمعنى الذي اختاره من قبل في تأويله لمعنى (اضربوه ببعضها) لكان في رأينا قد أصاب كبد الحقيقة، فإذا اخترنا نحن هذا التأويل فسيكون تأويل الآية: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ...) أي أنه في حالة الخوف من النشوز فإن على الزوج القوَّام أن يستخدم وسائل وعظية ووسائل ضغط غريزي وأن يفرض استخدام هذه الوسائل قبل أن يلجأ لعمليات تحكيم خارجي، (فاضربوهن) هنا بمعنى: فرض وإلزام على الرجل القوام أن يلتزم باستخدام هذه الوسائل واستنفادها قبل القيام بعمليات تحكيم خارج سياج الأسرة. |