| الوقائع في حرب العراق.. البدائل والخيارات   عدد القراء : 1622   . لقد تصرفنا خطئاً وكأن الارهاب (شيء) او مجموعة يمكن للمرء ان يحارب ضدها، الارهاب هو مجرد تكتيك يمكن ان يستخدمه اي شخص، وقد استخدمه البريتونيون القدامى ضد الرومان، والايرلنديون ضد البريطانيين والجزائريون ضد الفرنسيين والفرنسيون ضد النازيين، والشيشان ضد الروس والباسك ضد الاسبان، وما الى ذلك. انه تقليد (سلاح الضعفاء) يلجأون اليه حينما تفشل كل الاسلحة الاخرى. في بداية الصراع ضد النظام السابق في العراق اتهمت ادارة بوش العراق بانه دولة ارهابية تعمل في تواطؤ وثيق مع تنظيم القاعدة الذي يقوده اسامة بن لادن. وفي ردة الفعل الانفعالي على الهجمات التي وقعت في نيويورك وواشنطن اغرقت المعلومات في طوفان الشعارات، يقيناً كان النظام السابق في العراق شراً، ولكن العراق لم يكن دولة ارهابية. لم تكن تربطه علاقة ذات مغزى باي منظمة ارهابية على حد علم وكالات المخابرات الامريكية والبريطانية والاسرائيلية. بل الحقيقة ان اسامة بن لادن كان قد عرض تكوين قوة عسكرية لمحاربة حكومة صدام العلمانية، وندد بصدام باقوى عبارات الشجب التي يمكن لمسلم ان ينطق بها، واصفاً اياه بانه كافر، مع ذلك وعلى الرغم من استنتاجات التحقيقات الرسمية الامريكية فان صيحات التخويف التصقت بعقولنا. وتظهر آخر استطلاعات الرأي العام ان نحو سبعة بين كل عشرة امريكيين لا يزالون يعتقدون ان صدام حسين كان يعمل مع اسامة بن لادن في 11 ايلول 2001 في هجومه على مركز التجارة العالمية. وفي حين ان هذا خطأ فان العراق تغير تحت وطأة الضربات الامريكية الى انه الآن ميدان رئيس لتجنيد والتبرير للارهاب.. ونقتبس مرة اخرى مما يقول الجنرال ناتوسكي: (بعد ان اخذنا الفلوجة لن يكون لدى الارهابيين ملاذ، لا مكان للاختباء). واتذكر كلمات مماثلة قيلت عن الفييت كونغ. وبعد يوم واحد من قول الجنرال هذه العبارة اندلع قتال في دزينة مدن عراقية. وكان يمكن للروس ان يقولوا للجنرال ناتوسكي انه بعد عشر سنوات مما فعلوه بمدينة غروزني الشيشانية وهو مثل ما فعلته قواته بمدينة الفلوجة، ان القتال لا يزال مستمراً، وهذا ما نراه نحن الآن في العراق. هذا هو الواقع الذي ينبغي ان يبدأ منه فما الذي تستطيع امريكا ان تفعله؟ ما هي البدائل؟ اليوم لا توجد خيارات جيدة، انما هناك خيارات افضل واخرى اسوأ وثلاثة منها تبدو ممكنة: الخيار الاول هو ما اطلق عليه بـ (مواصلة الدرب)، وهذا يعني عملياً استمرار القتال. فرنسا (واصلت الدرب) في الجزائر في خمسينيات القرن العشرين كما فعلت امريكا في فيتنام في ستينياته وكما يفعل الصهاينة الآن في فلسطين المحتلة. وهذا الخيار لم ينجح ابداً في اي مكان، في الجزائر استخدم الفرنسيون عدداً من القوات فاق ثلاثة امثال -قرابة نصف مليون- ليحاربوا ما يقرب من العدد نفسه من المقاومين الذين تحاربهم امريكا الآن في العراق. وخسروا وكان لامريكا نصف مليون جندي في فيتنام، واستسلمت وبعد اربعين سنة في الحرب ضد الفلسطينيين لم يحقق الصهاينة سلاماً ولا امناً. ان باستطاعة حروب (تقرير المصير) الوطني ان تدوم لاجيال او حتى لقرون. لقد حاولت بريطانيا ان تسحق (او حتى تبيد) الايرلنديين لاكثر من 900 عام، بعد وقت قصير من الغزو النورماني في القرن الحادي عشر حتى عام 1921، وقاتل الفرنسيون الجزائريين من عام 1831 حتى 1962، وتحارب روسيا الامبراطورية والشيوعية الشيشان منذ حوالي عام 1730، ولا تزال روسيا بوتين متورطة في هذا، ولم يكن هناك ضوء في نهاية اي من تلك الانفاق. في احسن الاحوال يمكن لخيار (مواصلة الدرب) في العراق ان يكون اجراء مؤقتاً فحسب فامريكا ستغادر العراق حتماً. ولكن خلال الفترة التي ستبقاها -ولنقل السنوات الخمس التالية- ضمن ان 30 الفاً او 40 الفاً آخرين من العراقيين سيموتون او سيقتلون بينما ستخسر قوات الاحتلال الامريكي على الاقل الفاً آخرين بالاضافة الى 20 الف جريح. واما النفقات المالية فستكون مئات من مليارا ت الدولارات. وليست الخسائر البشرية او الثروات هي وحدها التي تهم. ان ما تبرهن عليه حروب (التحرر الوطني) هو انها ايضاً تترك آثاراً بشعة فيمن يبقون على قيد الحياة من المشاركين بها فان هذه الحروب في النهاية شر، كلا الجانبين فيها يرتكب فظائع. وفي حملاتهما لاقصاء اولئك الذين يعتبرونهم قاهريهم يسعى المقاتلون من اجل الحرية لحمل خصومهم على ان يصلوا الى استنتاج بان البقاء باهظ النفقات بصورة غير مقبولة، ولانهم لا يملكون وسائل لخوض حروب تقليدية فانهم غالبا ًما يختارون اهدافاً تؤدي الى نتائج مفجعة ومؤلمة. الايرلنديون، اليهود، الفيتناميون، التاميل، الشيشان، الباسك، وغيرهم فجروا فنادق ودوراً للعرض السينمائي ومحطات للحافلات واماكن سكنية فقتلوا كثيرين من العابرين الابرياء. فكلما كانت النتيجة مذهلة واكثر دموية كان هذا افضل لحملاتهم، وهكذا فجر تنظيم الايرغون فندق الملك داود في القدس في عام 1946، والجيش الجمهوري الايرلندي (IAR) فندق برايتون (انكلترا) في عام 1984، وفجرت مجموعات قيل انها عراقية مقر بعثة الامم المتحدة في بغداد في عام 2003، وفجر الشيشان منزلاً للشقق السكنية في موسكو في عام 2003 بينما فجرت مجموعة مجهولة فندقاً يرتاده الاسرائيليون في طابا (مصر) في عام 2004. وفي مواجهة مثل هذه التحديات غالباً ما ترد قوة الاحتلال بهجمات واسعة تستهدف من تصفهم بالارهابيين، ولكنها في النهاية تقتل ايضاً كثيرين من المدنيين. وللحصول على معلومات من اولئك الذين تتمكن من القبض عليهم تتورط مرات عدة ايضاً في ممارسة التعذيب. فالتعذيب لم يبدأ بسجن أبي غريب انه وبائي في الحرب الفدائية عبارتان من الحرب الفرنسية- الجزائرية في اعوام الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تصفان الامر كله وتبدوان صادقتين اليوم عما كانتا في ذلك الوقت: (التعذيب هو سرطان الديمقراطية). ان الحرب الفدائية وحرب مكافحة المقاومة يفسدان بعناد القضايا التي في سبيلها يحارب الجنود والمقاومون. ويكاد الامر يكون اسوأ، فحتى في حالة (هزيمة) منهكة بالنسبة لطرف و(النصر) المزهو لطرف آخر فان كليهما يخلف وراءه فوضى تفرخ امراء الحرب والعصابات والنتوات وكما هو واضح اليوم في بلاد الشيشان وافغانستان. وكلما طال امد القتال ازدادت الفوضى سوءاً. لقد شاهد احد المراسلين الدمار الذي لحق بالفلوجة وكتب (حتى الكلاب بدأت تموت، فجثثها متناثرة بين حطام المعادن الملتوية والباطون الممزق في مدينة تبدو وكأنها نسيت كيف تتنفس.. المدينة لها رائحة التراب، الرماد والموت). وشاهد المنظر ذاته نائب قائد قوة مشاة البحرية الطارئة الاولى فقال: (هذا ما نفعله.. هذا ما نجيد فعله). وليس هذا جديداً او فريداً؟ انه امر كلاسيكي. تذكروا عبارة المؤرخ الروماني تاسيتوس (Tacitus) الى معاصره قائد الفدائيين من البريتونيين، قال ان الرومان (يخلقون خراباً) ويسمونه (سلاحاً). نقلاً عن مجلة المستقبل العربي. |