مفهوم المبدأ وأثره في سلوك الإنسان   عدد القراء : 3694   .

الشيخ عبد الكريم البدراني

المبدأ في اللغة: من بَدَأَ يَبْدَأُ بَدْءَاً، وَمَبْدَءاً؛ فهو من الأصل الثلاثي (ب د أ) بَدَا وَبَدَأَ الأمرُ: ظهرَ، وبادِيَ الرأيِ: أي مِن ظاهرِ الأمرِ أو أوَّلِه، وبدَا لَهُ في هذا الأمرِ بَداءٌ؛ أي نشأَ له فيه رأيٌ. ومبدأُ الشيءِ: هو الذي منه يتركَّبُ أو منه يكون؛ فالحروفُ مبدأُ الكلامِ؛ لأنه منها يتركَّب، وكذا الخشبُ مبدأ البابِ، والنواةُ مبدأ النَّخلةِ؛ لأنها منها تكون. ويقالُ للسيِّد الذي يبدأ به إذا عُدَّ الساداتُ: بَدْءٌ؛ واللهُ هو المبدئ المعيدُ؛ أي هو السَّبب في المبدأ والنهايةِ. والعقيدةُ الإسلامية مبدأُ الإسلامِ بوصفه أفكاراً وأحكاماً ونُظماً تنبثقُ عن العقيدة الإسلاميةِ.
ويطلقُ سائر الناسِ المبدأَ على الأساسِ الذي منه يبدأون أفكارَهم وأقوالهم وأعمالهم؛ فيقول الشخصُ: مبدئِي الصدقُ، ويريد أن الأساسَ الذي يبني عليه تصرُّفاته هو الصدق. ويقول آخرُ: مبدئي الوفاءُ، ويريد أنَّ الأساسَ الذي يقيمُ عليه تصرفاته هو الوفاء. وهكذا تجوُّزاً في القول من بابِ إطلاق الكل على الجزء.
إلا أن البعضَ تجوَّز في الإطلاقِ واستعمل الكلمة على أكثرِ من معناهُ وما يمكن أن يدخل فيه، فصار يطلقُ على أفكارٍ فرعيَّة يمكن أن يؤسَّسَ عليها أفكارٌ فرعية أيضاً، بأنها مبادئُ؛ متوهِّماً أنها أفكارٌ أساسية، فقالوا: الصدقُ مبدأ، وحُسن الجوار مبدأ، والتعاون مبدأٌ، وهكذا قالوا: مبادئُ الأخلاقِ، ومبادئ الاقتصاد، ومبادئ الاجتماع...، وهكذا تُجُوِّزَ بالمعنى وأطلقوهُ على أفكارٍ معينة تقومُ هي أيضاً على أفكارٍ أساسية غيرها.
والصوابُ: أنَّ هذه الأفكارَ فرعية وإنِ انبثقَ عنها فكرٌ آخر وتفرَّع منها، إلا أنها ليست مبدأً؛ لأن المبدأَ: الفكرُ الأساس الذي تُبنى عليه الأفكارُ، وهذه ليست أفكاراً أساسية، بل أفكارٌ فرعية، فالصدقُ والوفاء والتعاون وغيرها أفكار فرعية وليست أساسيَّة، فهي مأخوذةٌ عن فكر أساسي وليست هي الأساسُ. فالصدق فرعٌ لأساس، فهو حكمٌ شرعي مأخوذ من دلائلِ الكتاب والسُّنة عند المسلمين، وصفةٌ جميلة نافعة مأخوذة عن الفكرِ الرأسمالي عند غيرِ المسلمين، فلا يسمَّى الفكرُ مبدأً إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثقُ عنه إفكار.
والفكرُ الأساسي هو الذي لا يوجد قبلَهُ فكرٌ مطلقاً، فيكون مبدأَ الأفكارِ والأحكام؛ وتحديداً هو العقيدةُ التي تكون سَبباً لجميع الأفكارِ المنبثقة عنها والمتفرعة منها؛ وهو النظرةُ الكلية عن الكونِ والإنسان والحياة، فالعقيدةُ الإسلامية هي مبدأُ الشريعةِ الإسلامية ومنهاجها، فهي الفكرةُ التي ينتجُ عنها معالجات لتنظيمِ شؤون الحياة وبيان كيفيَّة إنفاذها، أو المحافظة عليها، والدعوةِ لها. وعقيدة فصلِ الدين عن الحياة هي مبدأُ الرأسمالية ومعالجاتها لتنظيمِ شؤون الحياة وبيان كيفية إنفاذِ أفكارها وأحكامها.
والإنسانُ إذا نظرَ لنفسه، وجدَ أنه يحيا في الكونِ، فما لم يوجَدْ عنده فكرٌ عن نفسهِ وعن الحياة وعن الكونِ من حيث الوجودُ والإيجاد، لا يمكن أن يعطيَ فكراً يصلحُ أساساً لحياته، فتبقى حياتهُ سائرةً دون أساسٍ، مائعةً؛ متلوِّنةً؛ متنقلةً، ما لم يوجد هذا الفكرُ الأساس، أي ما لم توجد الفكرة الكليةُ عن نفسهِ وعن الحياة وعن الكونِ. فالمبدأُ عقيدة يعقِلُها الإنسانُ وينبثق عنها نظامٌ وتتفرَّعُ منها أفكارٌ. ومن هنا كان الإسلام مبدأً؛ لأنه عقيدةٌ عقلية ينبثق عنها نظام، وهو الأحكامُ الشرعية التي تعالج مشاكلَ الحياة. وكانت الرأسماليةُ مبدأً؛ لأنها عقيدةٌ عقلية ينبثق عنها نظامُ الديمقراطيَّة.
ومن هنا أيضاً يتبين أن القوميةَ ليست مبدأ، ولا الوطنيةَ مبدأ، ولا الوجوديةَ مبدأ، ولا المصلحة مبدأ، ولا العقائدَ الروحية بلا نظامٍ مبدأ. لأنَّ كل واحدةٍ منها ليست عقيدةً عقلية، ولا ينبثقُ عنها نظام، ولا تُبنى عليها أفكارٌ تعالج مشكلاتِ الحياة. وإنما هي أمور تخالج النفس والسلوك، يعالجها المبدأ ويعيِّن سُبل التعامل معها.
وينشأ المبدأُ في ذهنِ الشخص؛ إما بوحيِ اللهِ له به وأمرهِ بتبليغه، وإما بعبقريَّة تشرقُ في ذهن ذلك الشخص، أما المبدأُ الذي ينشأُ في ذهنِ إنسان بِوَحْيِ الله لهُ به فهو المبدأُ الصَّحيحُ، لأنه مِن خَالِقِ الكونِ والإنسان والحياة، وهو اللهُ. فهو مبدأٌ قطعيٌّ. وأما المبدأُ الذي ينشأ في ذهنِ شخصٍ بعبقريةٍ تشرقُ فيه فهو مبدأٌ باطلٌ، لأنه ناشِئٌ عن عقلٍ محدود يعجزُ عن الإحاطةِ بالوجود، ولأنَّ فَهْمَ الإنسانِ للتنظيم عرضةٌ للتفاوتِ والاختلاف والتناقضِ والتأثُّر بالبيئةِ التي يعيشُ فيها مما ينتجُ النظامَ المتناقضَ المؤدِّي إلى شقاءِ الإنسان. لذلكَ كان المبدأُ الذي ينشأ في ذهنِ شخص باطلاً في عقيدتهِ وفي نظامه الذي ينبثقُ عنها.
ومبدأ الإسلام هو العقيدةُ الإسلامية وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبهِ ورسُله وباليومِ الآخر، قَالَ اللهُ تَعَالَى: }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا)).
وأما النظامُ المنبثق عن هذه العقيدةِ، فهو المعالجاتُ لمشاكل الإنسانِ، وبيان كيفية تنفيذ المعالجات، والمحافظةُ على العقيدة، وحملُ المبدأ. فالعقيدة الإسلامية والمعالجات لشؤون الإنسان هما الشريعةُ، وأما المنهاج فهو بيانُ كيفية إنفاذِ المعالجات؛ أي مَن الذي ينفِّذُها وآليةُ ذلك، وبيانُ المحافظة على العقيدة في ذلك، وحملُ دعوة الإسلام بوصفه مبدأ قصداً. إذ جعلَ الإسلامُ هذا الفكرَ الأساس هو العقيدة لبناءِ الفكر والميولِ في نفس الإنسان وتوجيهه لحياته، فعنها ينبثقُ نظامه للحياةِ في ترتيب علاقاتهِ بنفسه وبربِّه وبغيره من بني الإنسان. فمبدأُ المسلم أن يكون الإسلامُ محورَ تفكيرهِ وعملهِ، وهو المركزُ الذي تدور بفلكهِ مصالحهُ وشؤونه كلِّها.
وهذا هو حدُّ المبدأ وتعريفهُ ليتأتى عند المسلمِ التركُّز الفكري والانتباهُ الثقافي حين يتعاملُ مع الواقع بالإسلام بوصفهِ شريعةً ومنهاجَ حياةٍ؛ أي فكرةً تُغني العقلَ بالمعرفة، وطريقةً تستقيمُ بالسلوك في بناءِ الحياة. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).