| مصادر السياسة الشرعية في الإسلام   عدد القراء : 2585   . الشيخ ضياء الدين عبدالله محمد لقد بينا في مقالنا الاول معنى السياسة في المنظور الشرعي بانها (رعاية شؤون الامة في الداخل والخارج بما لا يخالف الشريعة الاسلامية) وهي بذلك لا تقتصر على ما نطق به الشارع الحكيم وانما يشترط ان لا تخالف نصوص القرآن والسنة واجماع الامة وقواعد الشريعة واصولها العامة. يقول الامام ابن القيم (ومن قال لا سياسية الا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، وهذا موضوع فرطت به طائفة وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة الى غيرها). وسنستعرض بايجاز السياسة الشرعية في الاسلام وهي: اولاً: القرآن الكريم وهو المصدر العام في الاسلام والذي نص على الاسس الثابتة والقواعد الكلية التي تبنى عليها تنظيم الشؤون العامة للدولة والتي لا تختلف فيها امة عن امة او زمان عن زمان. واما الجزيئات والتفصيلات التي تختلف باختلاف الاحوال والازمان فقد سكت عنها القرآن، لتكون كل امة في سعة في مراعاة مصالحها الخاصة وما يقتضيه حالها. قال تعالى :((انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله)) الاية 105 النساء. وقد ذكر القرآن الكريم نظام الحكم وبين الاسس الثابتة له واقر العدل في قوله تعالى ((واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)) النساء:58. ومبدأ الشورى ((وشاورهم في الامر)) آل عمران 159. ومبدأ المساواة في قوله تعالى ((انما المؤمنون اخوة)) الحجرات:10. وكذلك نظام العقوبات والحدود والمعاملات والاخلاق وكذلك السياسة الخارجية للدولة وعلاقة المسلمين بغيرهم قال تعالى ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) وقال تعالى ((وانزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين)). ثانياً: السنة النبوية المطهرة وهي المصدر الثاني من مصادر الاسلام فقد حوى هذا المصدر النموذج الامثل للدولة ونظام الحكم فبين الطرق الشرعية الموصلة الى قيامها واسس دعائمها القوية وعلاقة الحاكم بالمحكومين وعلاقة الدولة بالدول الاخرى في السلم والحرب فلا يمكن الاستغناء عن هذا المصدر الاصيل بل لا يمكن فهم القرآن فهما صحيحاً وتطبيقه سليماً الا بدراسة السنة النبوية المطهرة فهي مثل القرآن في التشريع وافادة الاحكام. فالقرآن احوج الى السنة من السنة للقرآن كما قال السلف الصالح لانها شارحة للقرآن ومبينة له بتفسير مجمله وتقييد مطلقه وتخصيص عمومه بل جاءت السنة باحكام ليس لها في القرآن ذكر ولا بيان. فينبغي للباحثين في فقه السياسة الشرعية والنظم الاسلامية ان يستفيدوا من السيرة النبوية فهي حافلة باحكام السلم والحرب والسياسة والحكم وغير ذلك. قال الامام ابن القيم في زاد المعاد (واخذ الاحكام المتعلقة بالحرب ومصالح الاسلام واهله وامور السياسات الشرعية من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومغازيه اولى من اخذها من آراء الرجال). ثالثاً: اجماع الامة وهو المصدر الثالث من مصادر الاسلام سيما اجماع الصحابة الكرام والخلفاء الراشدين. ويعرف الاجماع بانه (اتفاق المجتهدين من الامة الاسلامية في عصر من العصور على حكم شرعي في واقعة معينة) وقد ذكر اهل الاصول دليل حجيته واقسامه وكل ما يتعلق به في كتبهم. فالواجب على رجال السياسة والحكم الاخذ ايضاً بهذا المصدر الواسع سيما ما اجمع عليه الخلفاء الراشدون في السياسة والحكم والنظم لانه يمثل التطبيق الصحيح للاسلام كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) صحيح رواه ابو داود والترمذي. رابعاً: الاجتهاد ويعرف بانه بذل الوسع والجهد في النظر في الادلة الشرعية لاستنباط الاحكام الشرعية للمسائل والوقائع التي لا نص فيها ولا انعقد اجماع عليها قال تعالى ((واذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) النساء:83. وشروطه وطرقه كثيرة وهي مذكورة في كتب اصول الفقه. والاجتهاد في السياسية الشرعية يكون بالافادة من تجارب غير المسلمين في النظم والحكم والادارة والتخطيط اذا كانت تحقق العدل وتحقق مصالح الناس ولم تتعارض مع نص شرعي. كما اجتهد امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تدوين الدواوين وفرض الخراج وانشاء السجون وغير ذلك وكما اجتهد غيره من الخلفاء مما فيه المصلحة ودفع المفسدة: فالسياسة الشرعية - كما سبق- لا تقتصر على ما نطق به الشرع المطهر وانما يشترط ان لا تخالف النصوص الشرعية والقواعد الكلية في الاسلام والله الهادي الى سبيل الرشاد. |