سقوط أم انسحاب تكتيكي.. مقاومة أم تحضير مسبق؟   عدد القراء : 1727   .

يعاب على العقل البشري التعجل في قراءة  الحدث، أو على الاصح ردود الفعل تجاه حدث ما... دون القراءة المتأنية، أو كما يقول عز وجل((خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون)) ولهذا تبدو الاحكام البشرية متسرعة غير مبنية على مقدمات صحيحة، حتى تأتي النتائج صحيحة.
وميزة المفكرين النظر فيما وراء الحدث، ولهذا فهم في قراءاتهم للاحداث، يعمدون الى تحليل الحدث تاريخياً وجغرافياً، واضعين في حساباتهم عامل الزمن وتغير المصالح والاوضاع الدولية.
ومن هذا نستطيع القول: إن قراءة الحدث السياسي تحتاج الى تفكيك الحدث، والنظر في مفرداته بشكل حيادي، دون نوازع او ميول نحو هذا الطرف او ذاك واضعين في حساباتنا بروز عنصر المفاجأة، أو فشل هذا المخطط أو ذاك.
في التاسع من نيسان 2003كان يبدو المشهد الأخير للغزو الأنكلو- أمريكي للعراق بإسقاط تمثال ساحة الفردوس في بغداد، مشهداً دراماتيكياً.. دبابات أمريكية تحيط بالساحة.. عدد من الناس تهتف بدخول القوات المحررة.... محاولة إسقاط فاشلة من الشعب.... ليأتي المخلص الأمريكي، ويضع الحبل حول عنق التمثال....... ويلفه بالعلم الأمريكي.... ثم يظهر العلم العراقي القديم من بين الجموع المحتشدة ويبدأ إسقاط التمثال، في مشهد أعد سلفاً، وتم صياغة السيناريو والإخراج في هوليوود، مع كبرى شركات صناعة الإعلام...وينفذ صبيحة التاسع من نيسان أمام أعين الناس في بغداد...... والملايين عبر الفضائيات، كما يصف ذلك(محمد حسنين هيكل).... وليختزل العراق في تمثال... وتختزل بغداد في ساحة يؤمها الجنود الأمريكان.. ومن جلبوا معهم من كومبارس الشيء غير العادي كان في مفردات الحدث... والذي طال ساعات.... لينتهي قبل الغروب، في إشارة لانتهاء عصر النظام السابق، وفي جموع الناس على هذا المشهد، وإحضارهم كي يبدو حدثاً طبيعياً، وتبدأ الأسئلة.... أين الجيش العراقي بفيالقه السبعة..؟ الحرس الجمهوري..؟ وحدات الفدائيين..؟ جيش القدس..؟ الخلايا الحزبية..؟ الأمن.... في حساب بسيط سبعة ملايين مسلح... الأخبار الأمريكية قبيل دخول بغداد بقليل أفادت إن فرقتي المدينة المنورة، ونبو خذ نصر قد دمرتا تماماً... أي صفوة الحرس الجمهوري....
وحينما بدأت بعض الكاميرات التجوال في بغداد... بعد السقوط التلفزيوني... بدت خالية من جميع الأسلحة الثقيلة أو مظاهر المسلحين... الجيش حل نفسه وارتدى منتسبوه الزي المدني..... أو كما يقول محمد الدوري مندوب العراق لدى الأمم المتحدة(اللعبة انتهت) ليدخل غارنر بغداد كالفاتحين... حاكماً عسكرياً... ويتوالى سقوط المدن العراقية دون مقاومة تذكر... ويبقى استسلام فرق الشمال لغزاً؟! المشاهد الفضائية الواردة من العراق... تركزت على اعمال النهب والسلب والتخريب.... بينما بقيت المنشآت النفطية ووزارة النفط سالمة تحت الحماية الأمريكية وبدا زوراً أن المواطن العراقي شخصية معقدة، همها السلب والنهب... تهتف بحياة الزعيم ليلاً.... وحياة المحتل نهاراً.
ولم يذكر أي شيء، عن المقاومة... ويأتي(بريمر) الحاكم المدني للعراق.. ويعلن حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية... ويظهر مجلس الحكم بأطيافه المختلفة ويطرح شعاراً بجعل التاسع من نيسان يوماًوطنياً،واجتثاث البعث من العراق نهائياً.... بدأت ملامح المقاومة في 7-5-2003في الفلوجة... ثم أخذت تنشر في مدن العراق الغربية.... وليظهر على المشهد العراقي زعماء جدد في مدن الجنوب باتوا يشكلون ارقاماً صعبة في عراق ما بعد الغزو.
وبتصاعد العمليات النوعية للمقاومة.... لم يظهر إلى الآن زعماء المقاومة...
المقاومة العراقية وبما عرف عنها من إمكانية رصد الهدف والإصابة المباشرة.... قد كبدت القوات الغازية آلاف الإصابات وقد اعتمدت على:
1- قطع الإمداد.
2- تدمير السيارات العسكرية(الحاملة والناقلة للجنود).
3- بث حالة الرعب... لدى الجندي الأمريكي(الحرب النفسية).
ففي البند الأول نلاحظ عزوف الكثير من الشركات المتعاقدة مع قوات الغزو عن تموين القوات بعد حوادث الخطف والتدمير.
وفي البند الثاني دعوة الرئيس بوش لصناع السيارات الأمريكية بالتعدين وتقوية السيارات.
وفي البند الثالث حالات الفرار العسكري والانتحار.... والهستيريا التي أصبح حال الجندي الأمريكي وانسحاب دول من التحالف وسحب جنودها من العراق...
وبعد مضي اكثر من عامين بدا للعالم كذب الارقام الامريكية حول القتلى والجرحى... وتناقض كبير بين ارقام الصحف الامريكية وارقام البنتاغون... ومرد ذلك يكمن في سببين:
1- نسبة عالية من القتلى من المرتزقة و(التزين كرت)لا تسجل اسماؤهم في عداد الضحايا.
2- الخوف من هبوط معنويات الجندي الامريكي المنهارة اصلاً.
وكلما شعرت امريكا بالاختناق... والغوص في المستنقع العراقي... تعمد الى صرف انظار العالم الى اشياء اخرى... فبعد فشلها في معركة الفلوجة الاولى... عمدت الى نشر فضائح سجن ابي غريب فطعن خبرعلى خبر... وهكذا... والمتابع للمشهد العراقي يرصد عدداً من الحالات ولعل ابرزها.
1- تركز المقاومة في المنطقة الغربية.
2- التسميات المختلفة لفصائل المقاومة.
3- الدقة في استخدام السلاح.
4- الاختراق للاجهزة العسكرية الامريكية والعراقية الموالية للحكومة.
5- المجموعات الصغيرة المقاتلة... وعدم سقوط مقاومين او زعماء للمقاومة في يد القوات الغازية.
6- وقوع اعضاء القيادة العراقية السابقة بيد القوات الغازية.
7- عمليات قذرة، وتصفيات لرموز دينية واجتماعية وعلمية... والصاقها بالمقاومة ويبدو الفعل الامريكي الصهيوني واضحاً فيها... هدفها اشعال حرب اهلية في العراق وبعد العرض السريع لما جرى نقف امام نقطتين:
- سقوط بغداد والذي اختلف فيه وتباينت اراء المحللين... بين تدمير الجيش العراقي او ضعف الولاء او الخيانات التي حصلت في الجيش، او الحالة التي كان يعيشها العراق، الفصل بين الرأس(النظام) والقاعدة(الشعب).
- المقاومة وما ذهب اليه انها كانت ردة فعل على كذب الغزاة بعدما عرف بـتحرير العراق؟!
وبقراءة متناهية للاحداث يظهر لنا ان سقوط بغداد السريع كان له اسباب متعددة ابرزها عدم القدرة على المواجهة، بسبب التفوق الجوي للطرف المقاتل او على الاصح كان الجو ملكاً للعدو. وبما يملكه من تفوق تكنلوجي مخيف، والقيادة العراقية قد ادركت من أحداث 11 ايلول وما رافقها من غزولأفغانستان، وبروز نظرية(محور الشر) انها مستهدفة لامحالة، وتغير رؤية الادارة الأمريكية الجديدة(إدارة بوش الابن-عن رؤية سلفه كلينتون) فرؤية كلينتون وإدارته(احتواء النظام) بينما ادارة بوش(انهاء النظام) وبعد مضي سنوات طويلة من الحصار لم تر خلالها نهاية لآخر النفق وكما ان ادارة بوش لديها تصفية حسابات مع النظام والمنطقة بشكل عام.
والملاحظ ان امريكا والتي تلقت ضربات موجعة من المقاومة لم تستطع ان تحدد هدفها بدقة في كسر شوكة المقاومة او قصم ظهرها كما تقول رغم تدمير الفلوجة وسامراء وتلعفر.
وهي لم تفلح في اشعال حرب اهلية من خلال تقسيم العراق طائفياً وعرقياً... لأسباب منها:
1- النسيج الاجتماعي والعرقي الذي لم تدركه امريكا، فالمذهب في العراق نشأ نتيجة عوامل تاريخية وجغرافية(وهذا ما نلمسه في الجنوب اوالشمال او الشرق او الغرب، فالعشائر العراقية متوزعة على هذه المناطق هي ذاتها وفي العشيرة ذانها تختلف المذاهب)
2- عدم ثقة المواطن العراقي بالرموز التي جاءت مع المحتل او اساتذته.
البعد التاريخي للمواطن العراقي بما يحمله من ارث حضاري موغل في الاصالة.
ولكن المعضلة والتي افاد او ربما يفيد منها المحتل، تكمن في الولاءات والتي قد تأتي من خارج الحدود! لذا فان العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات مع امريكا ومع جميع خصومها في المنطقة والعالم، وهي ذات المراهنة للمقاومة مع استنزاف امريكا.
وبعودة للمقاومة هل نستطيع ان نقول انها من فعل النظام السابق...؟
إن نسبة المقاومة للنظام السابق فيه ظلم للمقاومة... ولكنها تقاطع مصالح بدأت من النظام قبل السقوط، وانتقلت الى مرحلة اخرى هدفها تحرير العراق وبناء نظام ضمن فكرهذه المقاومة، لابد ان يكون من اولوياته إقامة نظام عادل يجمع كل ابناء العراق وان لهذه المقاومة زعماء من الساسة لم يظهروا الى الان ولم يطرحوا برنامجهم الوطني وذلك لأسباب تعلمها المقاومة وحدها، وربما خشية ان ينتهي بهم الامر الى التسابق الى السلطة، وعندها تكون حالهم كحال افغانستان بعد خروج السوفييت منها واقتتال امراء الحرب.
والسؤال ماذا تفعل امريكا بعد احتلال العراق...؟
ان قدوم امريكا الى المنطقة وبعض النظر عن الاسباب النفطية او العقيدة البروتستانتية المتصهينة، يدل على ان الكيان الصهيوني غير قادر على فعل شيء بعد ان انهكته الانتفاضة من الداخل وهزيمته في الجنوب اللبناني لهذا ارتأت امريكا المجيء الى المنطقة...  لتحقيق طموحاتها الامبراطورية في السيطرة على ثروات المنطقة وتحقيق النبوءات التوراتية... واعادة رسم خارطة للمنطقة على ضوء ما طرحه (بريجنسكي) في نهاية السبعينات... وامام هكذا اوضاع تبقى المغامرة الامريكية مفتوحة على دول المنطقة.