الحروب الصليبية المعاصرة   عدد القراء : 2094   .

يدعي الغرب انه لا مكان للحروب الدينية اليوم، لان الغرب قد تخلى عن الدين، فلم يعد الدين منطلقاً من منطلقاته، ولا باعثاً من بواعثه، انما المصالح الاقصتادية والسياسية هي التي تحرك الغرب، وتحدد له اهدافه ومنطلقاته! وهي كلمة حق يراد بها باطل!
فاما ان اوروبا قد تخلت عن دينها، فلم يعد الدين منطلقاً من منطلقاتها، ولا باعثاً من بواعثها، فهذا حق. واما ان اوروبا قد تخلت عن حقدها الصليبي تجاه الاسلام فهذه كذبة ضخمة يكذبها الواقع... لا واقع الامس الغابر وحده، بل واقع اليوم، ونحسبه واقع الغد كذلك.
الواقع الذي وقع في البوسنة والهرسك، والذي وقع في كوسوفو، والذي وقع في افغانستان، والذي يقع يومياً في فلسطين، واخيراً وليس اخراً الواقع الذي وقع في العراق بكل تداعياته الى ان اعترف زعماء الغرب انفسهم امام العالم بانها حرب صليبية.
واذا ما رجعنا الى التاريخ فاننا نستطيع ان نقول: ان بداية الحروب الصليبية المعاصرة كانت منذ سقوط آخر دويلة اسلامية في الاندلس وهي دويلة غرناطة عام 1492م. وتقسيم البابا ارض الاندلس التي سماها ارض الكفار (!) الى دولتين هما اسبانيا والبرتغال، وامرهما الا يكتفيا بطرد المسلمين من اوروبا، بل يجب عليهما متابعة الحرب ضد الاسلام خارج اوروبا!.
واستجابت البرتغال اول من استجاب، وقام فاسكو داجاما تبعه في ذلك ماجلان بعد ان استأذن البابا برحلات بحرية ليتعرفوا على المنافذ التي يمكن النفاذ منها الى العالم الاسلامي لضرب الاسلام في عقر داره. من اجل ذلك بدأت الحملات الاستعمارية الصليبية منذ نهاية القرن الخامس عشر للميلاد اثر ظهور الدولة القومية وحركة الكشوف الجغرافية وقيام المذهب التجاري والتي سميت في التاريخ بالاستعمار القديم، مروراً بالاستعمار الحديث (الامبريالية) بعد قيام الثورة الصناعية في اوروبا وظهور المذهب الرأسمالي.
ولا ينكر احد ان الدافع الاقتصادي كان من دوافع الحملات الاستعمارية الصليبية متمثلاً ذلك بحاجة الغرب الى المواد الخام لتشغيل مصانعهم، والى الاسواق ليصرفوا فيها منتوجاتهم.
ولكن اذا كان الدافع اقتصادياً فحسب فلماذا كانوا يندفعون الى مناهج التعليم ليغيروها ويستبدلوا بها مناهج تخرج اجيالاً لا تعرف عن الاسلام الا الشبهات، وتنفر منه، وتدعو الى الابتعاد عنه!
وقد اتضح ذلك جلياً في مصر بالذات لانها بلد الازهر عندما استقدم (اللورد كرومر) وهو المعتمد البريطاني في مصر (مستر دنلوب) وهو الشاب المتخرج في كلية اللاهوت في لندن ليضع لمصر مناهج تعليم على وفق النمط الاوروبي.
واذا كان الدافع اقتصادياً كما يدعون فلماذا كانوا يدفعون الشريعة الاسلامية بعيداً عن الحكم بين الناس، ويستبدلون بها القوانين الوضعية التي تبيح الردة والربا والزنا وشرب الخمر.
واذا كان الدافع اقتصادياً فحسب فهل كان جلب المبشرين والمستشرقين يخدم هدفهم الاقتصادي، ام كان هدف ذلك هو ما اعلنه المبشر الشهير (زويمر) في احد المؤتمرات التبشيرية عام 1935م بعد ان يئس من تنصير المسلمين فقال :(ان مهمتنا ليست هي تنصير المسلمين ولكن مهمتنا هي صرف المسلمين عن التمسك بالاسلام).
ويتضح الدافع الحقيقي للحملات الاستعمارية الصليبية وذلك عندما بلغت اوج قمتها في نهاية القرن التاسع عشر للميلاد وبداية القرن العشرين عندما وقع العالم الاسلامي كله ما عدا تركيا واجزاء من الجزيرة العربية في قبضة الاستعمار الصليبي فبدأ الغرب بالتخطيط من اجل القضاء على الدولة العثمانية وانهاء الخلافة الاسلامية التي مثلت الرمز الذي يلتف حوله المسلمون ويمنحونه ولاءهم الشعوري، وتقسيم تركة تلك الدولة الاسلامية بين الدولتين الصليبيتين بريطانيا وفرنسا من خلال مؤتمر سايكس- بيكو عام 1916م، الى ان اعلن جنرالات التقسيم عن هدفهم الصليبي متمثلاً ذلك بمقولة الجنرال البريطاني(اللنبي) حين دخوله القدس عام 1917م قائلاً:(الان انتهت الحروب الصليبية) وكذلك عندما دخل الجنرال الفرنسي(غورو) الى دمشق عام 1920م فانه توجه الى قبر صلاح الدين الأيوبي وركله بقدمه قائلاً:(ها قد عدنا يا صلاح الدين) في اشارة الى الحقد الدفين في نفوس الصليبيين على قائد معركة حطين.
ولم يكتف الغرب بذلك بل بدأ العمل من اجل تفتيت العالم الاسلامي سياسياً وجغرافياً الى دويلات ضعيفة متناحرة لاتملك قوة اقتصادية ولا قوة سياسية ولا قوة عسكرية فسلاحها وذخيرتها من صنع اعدائها، والاعداء لا يعطون منه الا ما يجعل الجيوش تصلح للاستعراض والزينة ولاتصلح للقتال. وكان هذا تمهيداً لانشاء اسرائيل في ارض لاتقوى على مقاومتها، لأنها لاتملك أية قوة...
واسرائيل هي الدولة الدخيلة التي أشار اليها(اللورد برتمان) في تقريره الذي رفعه عام 1907م الى الدول الاستعمارية التي كانت قد بدأت تقلق من بوادر اليقظة في المنطقة، فقال:(لا بد من انشاء دولة دخيلة تكون صديقة لنا وعدوة لاهل المنطقة، وتكون بمثابة الشوكة، تخز العملاق كلما اراد أن ينهض).
ان عملية التفتيت لا ينبغي لها ان تقف عند التفتيت السياسي والجغرافي... بل لا بد من تفتيت الشخصية الاسلامية ذاتها وذلك بابعاد او اضعاف العنصر الفعال فيها الا وهو اسلامها. ولقد كان اول من لفت انظار العالم الغربي الصليبي الى ذلك هو(لويس التاسع) ملك فرنسا الذي هُزم في الحروب الصليبية الاولى، وسجن في مدينة المنصورة فاتاحت له خلوته في سجنه فرصة هادئة ليفكر بعمق وهدوء في السياسة التي كان اجدر بالغرب ان يتبعها من اجل القضاء على الاسلام فوجد ان سلاح الغزو الفكري هو الذي ينفذ ويفتت الاعماق، لذا كان(لويس التاسع) هو صاحب التخطيط الجديد للحروب الصليبية.
ووعى قومه الصليبيون الدرس، وحينما عادوا لم يعودوا بالسلاح وحده، انما عادوا ومعهم سلاح الغزو الفكري متمثلاً ذلك بالتغريب وذلك من اجل محو مقومات الشخصية الاسلامية حتى تفقد تماسكها، لذا يقول(فون جرونيباوم) المستشرق النمساوي المعاصر في كتاب”الاسلام”( ان اعتزاز المسلم بدينه هو العقبة الكبرى أمام عملية التغريب).
التغريب اذاً هو المطلوب...  واعتزاز المسلم بايمانه هو العقبة التي تقف في الطريق. وبرغم ان الغرب قد مارس عملية التغريب مدة طويلة وبصورة واسعة وفاعلة من اجل ابعاد الامة الاسلامية عن دينها، ولكن الزمن دار دورته وبرزت الصحوة الاسلامية بقدر من الله!.
وجن جنون الصليبية الصهيونية فقامت تضرب الصحوة بمزيد من الوسائل، بما فيها القمع بالسلاح!.
وتزعم الصليبية الصهيونية انها لاتحارب الاسلام، وانما تحارب التطرف او تحارب الارهاب! ويستغل الاعلام الغربي اعمالاً يقوم بها بعض الشباب هنا وهناك فيتخذونها سنداً لحملة التشويه والتنفير التي يقوم بها ضد الاسلام. اما اعمال العنف التي يشتكي منها الغرب بصرف النظر عن مشروعيتها او عدم مشروعيتها فيجب ان يعلم الغرب ان الصليبية الصهيونية هي المسؤول الاول عنها، بسبب حربها السافرة والخفية ضد الاسلام، والضغط المستمر والتضييق المتزايد على المسلمين، وان هذا الضغط هو الذي يولد الانفجار.