الإعلام الأمريكي والمصداقية المفقودة   عدد القراء : 1424   .

د.محمد قيراط

أثار الخبر الذي انفردت به مجلة (نيوزويك) الأميركية حول تدنيس المصحف الشريف من قبل الجنود الأميركيين في غوانتانامو جدلا كبيرا ومناقشات حول مصداقية الإعلام الأميركي والمشاكل التي بات يتخبط فيها منذ أحداث 11 ايلول 2001.
ويذهب البعض إلى أن أزمة المصداقية في الإعلام الأميركي تعود إلى زمن بعيد وقد ترجع في التاريخ إلى البدايات الأولى للصناعة الإعلامية في بلد العم (سام).
وتعاني الادارة الامريكية هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى، أزمة كبيرة جدا تتعلق بصورتها وسمعتها ومصداقيتها في العالم. هذه الصورة التي أصبحت مهزوزة، صورة تبرز التدخل السافر في شؤون الآخرين، صورة تعكس دور الشرطي العالمي الذي تتفنن الادارة الأمريكية في أدائه بمهارة ، صورة تظهر الدعم الأميركي اللامحدود للكيان الإسرائيلي الذي اغتصب أرض فلسطين وانتهك براءة أطفال الحجارة.
هذا من جهة ومن جهة أخرى نلاحظ أن وسائل الإعلام الأميركية بدلا من التحلي بالاحترافية والمهنية والالتزام بأخلاقيات المهنة تنحاز إلى سلطة المال والسياسة على حساب المصلحة العامة وعلى حساب خدمة الحقيقة وتوفير المعلومة الصادقة والصحيحة للرأي العام ولصناع القرار.
 الإعلام الأميركي إيمانا منه بمبدأ الوطنية والأمن القومي والمصالح الاستراتيجية للادارة الأميركية أصبح يتخبط في ممارسات تتناقض جملة وتفصيلا مع العمل الإعلامي المحترف والمسؤول والنزيه. الإعلام في المجتمعات الغربية وبالخصوص في امريكا أصبح يركز على السبق الصحافي والإثارة والجنس والاستهلاك والتسطيح والتبسيط والتهميش كجزء من مستلزمات وشروط الصناعة الإعلامية والصناعة الثقافية والتي أصبحت هي بدورها جزءا لا يتجزأ من المركب الصناعي العسكري الاتصالي.
فالمؤسسات الإعلامية بدلا من تقليص حدة الصراع والنزاع والصور النمطية والتضليل والتشويه وبدلا من تدعيم حركة السلم والأمن في ربوع العالم نلاحظها في العديد من المناسبات تصب الزيت على النار وتساهم في عملية التشويه والتضليل والتزييف وفي توسيع الهوة بين مختلف الثقافات والأديان والأمم والشعوب.
تركت أحداث 11 ايلول والحرب على الإرهاب تداعياتها وانعكاساتها وبصماتها على جميع مجالات الحياة ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما في جميع أنحاء العالم. فبعد مرور أربع سنوات على ضرب رمز القوة الأميركية في نيويورك وواشنطن وضرب أكبر قوة في العالم في عقر دارها. وبعد عشرات الآلاف من المقالات والتقارير والدراسات والبرامج الحوارية والسياسية في المؤسسات الإعلامية المختلفة وعبر جميع أنحاء العالم، نتساءل عن الثمن الغالي الذي دفعته الصحافة والمضايقات والتجاوزات التي تعرضت لها من جهة، ومن جهة أخرى الانحرافات التي ارتكبت في حق الكلمة الصادقة والأداء الإعلامي الموضوعي والهادف من أجل تزويد الرأي العام بالحقائق والمعلومات والمعطيات. يبدو أن الخاسر الأول من أحداث 11 ايلول هي الممارسة الإعلامية وحرية الصحافة خاصة في الدول التي اشتهرت بتقاليد حرية الفكر والرأي والتعبير، تلك الدول التي بنت الديمقراطية على أكتاف الصحافة الحرة ، القوية والفعالة. لكن ما حدث في التعامل مع وقائع 11 ايلول، إعلاميا كشف أن الإعلام كان ضحية التلاعب والمساومات والضغوط. والسؤال الذي ما زال يفرض نفسه هو: هل استطاعت وسائل الإعلام أن تنصف جمهورها وأن تنصف الرأي العام سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي لمعرفة حقيقة الحدث وخلفياته وأبعاده، وأهدافه؟ هل استطاعت وسائل الإعلام أن تزيح الالتباس والغموض والتضليل والتشويه والصور النمطية وتقدم الواقع، كما هو؟ أم أنها تسارعت وتفننت في فبركة هذا الواقع واقع 11 ايلول وفق أهوائها وأهدافها ومصالحها ضاربة عرض الحائط أدبيات الموضوعية والالتزام والنزاهة وتقديم الحقائق كما هي لا غير. حقائق كثيرة بقيت في أدراج الكتمان والتعتيم بحجة محاربة الإرهاب والأمن القومي وإلى غير ذلك من أدبيات أباطرة الرقابة والتسلط والتفنن في التعتيم والتكميم. هكذا إذن لم تصبح هناك فروق بين الدول السلطوية والدول التي تدعي الديمقراطية وحرية الفكر والرأي والتعبير وحقوق الإنسان. فأميركا صاحبة (التعديل الأول) والبلد الذي يقدس حرية الصحافة ضربت عرض الحائط ما بنته خلال ما يقارب الثلاثة قرون وأصبحت توّجه الأوامر لرؤساء التحرير وتتدخل في افتتاحيات المؤسسات الإعلامية مثلها مثل أي دولة سلطوية أو دكتاتورية في العالم. وهذا ما فعلته (كوندوليزا رايس) باسم الأمن القومي والدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية. أسالت حادثة 11 ايلول الكثير من الأحبار وأفرزت اهتماماً إعلامياً لا مثيل له في مختلف أنحاء العالم، فتهافتت المؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها وأشكالها ومشاربها المالية والأيديولوجية والسياسية لتقديم الأخبار والتعاليق والبرامج التحليلية والدراسات حول الأزمة وأبعادها وخلفياتها وتداعياتها.
 والسؤال المثير للجدل والنقاش والدراسة من قبل الأكاديميين والسياسيين والمهتمين هو كيف تعامل الإعلام مع حادثة 11 ايلول؟ هل طرح كل الأسئلة التي خطرت وتخطر ببال الفضوليين من القراء والمستمعين والمشاهدين؟ هل اهتمت وسائل الإعلام بمعرفة لماذا ضُربت أميركا دون غيرها؟ ومن ضرب أميركا؟ وما هي الخلفيات والأبعاد؟ هل تساءلت وسائل الإعلام عن كيف كان بن لادن بطلا في الثمانينات وحليفا استراتيجيا لأميركا في محاربة الاتحاد السوفييتي والشيوعية وكيف أصبح الآن العدو اللدود لأميركا؟ كيف كان بطلا وأصبح إرهابيا؟ ومن الذي صنع بن لادن؟ ماذا حدث؟ ما هي علاقة ما حدث بما يجري في العالم من استغلال وظلم وبطش وعدم تكافؤ في العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية؟ ماذا عن الإرهاب الذي تمارسه العديد من الدول؟ وما هو الإرهاب في المقام الأول؟.
لقد أصبح الإعلام في القرن الحادي والعشرين صناعة تفبرك الواقع أكثر مما تشرحه وتفسره كما هو للرأي العام. الإعلام في عصر المجتمع الرقمي والانفجار المعلوماتي أصبح قوة تقرأ الواقع وتفسره وفق مصالح القوى المالية والسياسية التي تتحكم فيه خبر (نيوزويك)، المجلة الأميركية العريقة، ليس بريئا.ولا عفويا وإنما يعكس إفلاس نظام إعلامي يبحث عن الشهرة والمال والانتشار والتوسع والبحث على السبق الصحفي وعلى الشهرة والإثارة ولو كان ذلك على حساب المبادئ والقيم الاحترافية للممارسة الإعلامية. في رسالة موّجهة إلى قراء المجلة في عدد 30 آيار الماضي ، أعتذر ريشارد سميث رئيس تحرير مجلة نيوز ويك للقراء وتعهد أنه سينتهج طريقة جديدة في التعامل مع المصادر التي لا تريد الإفصاح عن هويتها. ولكن هل يكفي هذا الاعتذار؟ مع الأسف الشديد الخطأ المزدوج الذي وقعت فيه نيوزويك هو خطأ يعكس أزمة حقيقية تتخبط فيها وسائل الإعلام الأميركية، أزمة ثقة ومصداقية وأزمة مسؤولية التزام وأخلاق.