| قصة قصيرة / حدث في الفلوجة   عدد القراء : 1388   . عبد الهادي الزيدي الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام حتى الظلام هناك أجمل فهويحتضن العراق، عراق ..عراق .. وبقي يردد تلك الكلمات بل كانت الكلمات نفسها تولد من بعضها البعض تسحب احدها الاخرى من قاع الذاكرة المتناهي في القدم دون أن يصل تحديدا الى قائلها او في أي مناسية قيلت ..كان يدرك تماما انه لن يصل الى قرار ذاكرته الاخيرمع هذه الانفجارات التي تخلفها بين لحظة وأخرى طائرات أمريكية لوثت بضجيجها الفلوجة. نظر يمينا الى (فراس) صديق طفولته الذي بادله النظر هو ايضا ورأى شفتيه تتحركان حركات منتظمة بايقاع ادرك من خلاله انه يقرأ احدى سور القرآن مدركاً أن هذا الحضور المزعج الكثيف لقصف الطارئرات الغازية منعه من تحديد اية سورة كان يقرأ رفيقه، وبضجر من بقاء الحال على ما هو عليه نظر يسارا الى (احمد ) المقاتل الاخر الذي كان قد انشغل باعادة لثام (شماغه) الاحمر على رأسه ووجهه يظهر عينين تومضان تحت اشعة شمس ستبدأ بعد قليل تلويحة الوداع تاركة هولاء الثلاثة مقيدين تحت وطاة القصف الشديد وشظاياه التي تزرع المكان كله بالموت والدمار مختبئين بانتظار اللحظة المناسبة للهجوم خلف ساتر ترابي ربما لن يصمد اكثر من دقائق اذا استمر الموت الامريكي يتناسل في المكان.على حين غفلة من الوقت او ربما الموت اشار (فراس) الى قائد مجموعتهم هناك رابضا على بعد عشرات الامتار بين انقاض بيت اسرة فلوجية حطمتها وحشية الطائرات فاستشهد بعضهم ونجا اخرون، واستمرت الاشارات باليد لثوان اضاعت لديه المعنى كله واعادت الية خطورة الموقف الذي يلفهم - الان- وصرخ في صديقه مستغلا لحظة الصمت بين انفجار واخر..- ماذا يقول؟ تجاهله (فراس) وهو يربت على سلاحه مطلقا العنان لبصره باتجاه الافق الممتد الى الامام ومن خلال الغبار المتطاير ودخان الحرائق الذي يخلفه القصف االعشوائي رأوا مجامع(المارينز) يواصلون التقدم باتجاههم وادركوا جميعا حجم الكارثة اذا مابقي الحال على ما هو عليه .. كانت هذه بالطبع احدى خطط الهجومات الامريكية على احياء الفلوجة التي خلت من ساكنيها مع اشتداد المعركة وهذا بالضبط ما تمناه المجاهدون فحين يأمنون على سلامة الاسر تتراكم لديهم ثنائية النصر والشهادة بشكل ليس له خيار ثالث.. ارتعد جسده فجأة كمن يلقى في بركة ماء مثلج وكاد قلبه يقفز من اضلاعه هلعا لما خلفه انفجار قريب جدا من مخبأهم ونظر الى رفيقيه ..وكانا مثله تماما قد جمعها الخوف في عباءته المخادعة ومن بين ثقوب العباءة تلك كان احمد يتنحنح بينما يواصل (فراس) بصاق ما دخل من جوفه من تراب تناثر مع شظايا الانفجار القريب.. كانت الخطة المعادية التي الفوها اكثر من مرة قتل لكل متحرك او مشكوك فية انه يتحرك في ارض المعركة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق غير بعيدة عن مخابىء المجاهدين جميعهم بعضهم يقصف ويدمر وبعضهم الاخر يراقب ويرصد اي امل في الحياة ناقلة المعلومات الى طبقة اخرى تعلوها ارتفاعا من طائرات مقاتلات ملأت سماء الفلوجة وزرعت الاجواء كلها باصوات مخيفة وبانفجارات مروعة.. -انه يقول :علينا بالصبر والدعاء حتى يقترب الغزاة وحين ذلك نقاتلهم عن قرب ..كسر (فراس) حاجز الرتابة الملغوم بالترقب اخيرا، ثم رفع كفيه الى السماء يدعو..وادرك ان خطتهم هذه ليس لها خيار اخر رغم خطورتها حين يقترب جنود العدو الذين ما زالوا يواصلون تقدمهم الحذر باتجاههم عبر الانقاض والحفر التي خلفها قصف طائراتهم التي تحميهم ..وصوب بصره الى الامام حيث الموت يتقدم وبمزيج مما خلفته الذاكرة من حقائق معيشية في مثل هذه الظروف الحالكة ادرك ارتجاف جنود الغزاة وخوفهم الشديد حتى من حجارة الفلوجة الصامتة فهم يطلقون النار على الهواء والنبات وأشلاء الشهداء الممزقة والحجارة الصماء، لقد أعماهم الخوف من المجاهدين على التمييز بين الحق والباطل فاصبح كل شيء يستحق مادام يصر على انتمائه الى هذا المكان ..حتى الظلام هناك اجمل /عراق ..عراق وتمتم في نفسه اللهم انا في سبيلك نجاهد فانصرنا، ثم انعقد لسانه هناك وثقل وبقي القلب وحيداً يردد هذه الكلمات، معجونة بالتوجس من موقف لا يدري كيف سينتهي وباصرار على الشهادة على ما يحب بين الشظايا التي لا ترحم. بحذر اكثر من السابق رفع رأسه قليلاً عن الساتر الذي اختبأ خلفه اذ احس بشيء ما يتغير في سماء المعركة، كان معظم من وقع نظره عليه في مجاميع المجاهدين القريبة يواصلون الدعاء، ونشج هو بصمت محاط بالقلق والارتباك لقد كان بعضهم يبكي، كان التضرع لله تعالى قد بلغ مداه وبلغت القلوب الحناجر، بل كادت ان تفر منها الى المجهول، ولا يدري كيف استعاد الآن كلمات شيخه الشهيد من معركة سابقة على ثرى الفلوجة: ان نصر الله يأتي في اللحظة التي تتساقط فيها ممكنات النصر البشرية، ويسلمك الله لنصره المجيد حين توشك ان تسلم نفسك لقدرك المحتوم. فجأة احس بيد قوية تربت على كتفه، ونظر مرتبكاً في وجه (فراس) الذي اتاه زحفاً مشيراً الى جهة ما في السماء البعيدة وحين تابع اشارته هناك، اصطدمت عيناه بمرأى غيوم ترابية تتكاثف عن بعد ثم تقترب من سماء المعركة واعاد النظر ثانية الى وجه صديقه، تمعن فيه جيداً كانه يقرأ ما تحت سطور قسماته، كانت لحية فراس السوداء قد امتزجت بالغبار وعيناه تذرفان الدمع بينما كان بقية الوجه ضاحكاً، مستبشراً كمن ينتظر خبراً سعيداً سيزف اليه الآن فاحتضنه، كان جسد (فراس) يرتجف وفرح ما يشع من قسماته كلها، ولاول مرة يستنشق منه رائحة عطر غريب ملأت قلبه وسدت عليه منافذ المكان كلها، مستغرباً ايما استغراب، من اين (لفراس) كل رائحة المسك تلك!.. بخطى سريعة عاد (فراس) الى مكانه السابق وتابع هو وبقية رفاقه وهم يصوبون بنادقهم بهمة الى اهداف بدت الآن في دائرة رميهم المميت، اما الطائرات فقد منعتها عنهم عاصفة التراب غير المتوقعة تماماً!. انهم الآن وجهاً لوجه شراذم من النمل الاسود تتقدم مخلفة الدمار، محملة بتأريخ من القتل والزيف واذلال الشعوب، ومجاميع نذرت نفسها للشهادة دفاعاً عن ارض مقدسة لا بديل لها وتأريخ يحفل بالحب والفداء ونصر الله الذي لا يدانيه نصر. قفز (فراس) الى مكان اقرب من الاعداء وهو يطلق الرصاص بغزارة وامتطى (احمد) ظهر ما تبقى من جدار قريب وهو يفعل الشيء نفسه ووجد هو نفسه ايضاً بطلق الرصاص على اجساد بلا روح تخبطت في ركضها العشوائي يميناً ويساراً باتجاه مفر او مأوى، وعلى مسافة قريبة منه كان احد المجاهدين يرمي اكثر من مرة قنابل يدوية سقط على اثرها عدد من جند الاعداء وزحف هو باتجاه مكان اكثر حصانة ابدل مخزن بندقيته بسرعة متناهية وانفاسه تكاد تنقطع ثم واصل اطلاق رصاصه باتجاه من بقي من الغزاة- ناظراً الى الافق البعيد، كان المجاهدون في الاطراف قد اكملوا التفافهم بنجاح فوقع الاعداء في دائرة كبيرة من النيران وخلفهم تماماً على مشارف الازقة الضيقة ارتفعت نيران الآليات الامريكية المحترقة ونزل منها من كان يحتمي بها من الاعداء رافعين الاكف المرتجفة والرايات البيض. اطلق رصاصة على اقصى اليسار كمن شك في حركة معادية وحين التفت الى الجهة الاخرى تسمر نظره على جسد رفيق دربه (فراس) وهو يتهاوى محتضناً ارض الفلوجة الطاهرة، فركض باتجاهه كانت الدماء الزكية تشخب من صدره وبطنه، وهو يتمدد على الارض مستسلماً لابتسامة عريضة ورائحة المسك اللذيذة تعطر المكان.. احتضنه ثانية في تلك المعركة، كان جسده دافئاً يطلق ارتجافات اخيرة وامواجاً من العطر لا تمحى من الذاكرة بينما اقتحمت اذنيه بتواصل تكبيرات المجاهدين المختلطة بالبكاء والدعاء، فصاح معهم بلا وعي كامل: الله اكبر. |