| الأسرة في القرآن   عدد القراء : 1787   . الحلقة الثانية المرأة والتنمية يجب - في ظل نظام تنموي معين- أن نصوغ ونصمم منظومة الأعمال التي تحقق بها المرأة حاجة اقتصادية في الأسرة والمجتمع مع الحفاظ على قوى التماسك الأسري. وفي القرى والنجوع عندما كنا أطفالا وصبيانا استقر هناك نظام للعمل مقسم بين الرجل والمرأة في ظل الظروف التنموية السائدة، وكان نظاما منتجا وعادلا ومحافظا على قوى التماسك في الأسرة، وفي ظل النظام التنموي الذي نعيشه الآن في المدن -حيث يتكدس معظم أهل مصر- أصبحت المرأة وأولادها مسجونين في شقق ضيقة تكفي بالكاد لنومهم، ولم يعد المنزل مكانًا منتجا، بل أصبح بالوعة استهلاكية؛ ومن ثم لم يعد هناك عمل تقوم به المرأة كما تقوم به امرأة الريف في بيتها الريفي. إن أعمال المنزل في المدن الآن قد لا تستغرق ساعة أو ساعتين، ويبقى اليوم كله أمام ربة المنزل وأولادها ليمضوه في مشاحنات وصراع ولهو ولعب. إن النظام التنموي الذي انجرفنا إليه هو من صنيع قياداتنا الاقتصادية والسياسية التي تود أن تضع مصر كلها في مدينة واحدة وتحكم حولها الحصار الأمني.. وأنا لا أريد أن أضيع الوقت في إلقاء اللوم هنا وهناك، ولكن فلنعلم جميعًا أننا أمام كارثة تنموية نتجت عن الاكتظاظ في المدن مخالفين بذلك قول الله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ..))، ويعلق الإمام الرازي على هذه الآية بأن التفسح إن كان مطلوبًا في المجالس فهو في المجتمع أكثر طلبًا.. يفسح الإنسان لأخيه الإنسان في الحياة بإعانته على المضي فيها؛ أي بمساعدته ليجد لنفسه عملا. والعمل الأهلي مدعو الآن لعمل شيء في مجال تصميم أنواع من التنمية الاستنقاذية، حتى ننقذ أهل المدن من هذا الموت التنموي الذي يعيشون فيه، وخاصة أن الدولة لاهية عن هذا الأمر، وإن كنت قد سمعت أن هناك محاولات أو نداءات في هذا الاتجاه من بعض الجهات في الدولة.. على كل حال على كل القوى الوطنية من كافة التوجهات أن تتساند وتتآزر في سبيل تصميم برامج تنموية تصلح للمرأة وغيرها في ظل ظروف الكارثة الاكتظاظية التي نعيشها وربما استفدنا من تجارب شعوب أخرى إن كان هناك مثيل لخيبتنا. إن هذا الاستنقاذ التنموي لن ينقذ أوقات المرأة فقط، وإنما سينقذ الأسرة كلها. في طفولتي وصباي كان التعليم يمثل 30% من نشاطي، بينما كانت بقية الوقت للعمل التنموي مع أسرتي في الحقل، وفي ورشة أبي لصناعة الأحذية، وفي العمل الاجتماعي. أكرر أيها الشباب.. ركزوا على تجميع الأمة حول مشاريع تنموية تحفظ للأسرة تماسكها الداخلي وتماسكها الخارجي في مواجهة قوى الهيمنة، فلن نستطيع أن نقاوم الهيمنة وبطوننا جائعة وأعيننا زائغة وقلوبنا واجفة. زينة المرأة وقوى التماسك الأسري ومما يزيد من قوى التماسك في الأسرة عدم بعثرة زينة المرأة في الشوارع والطرقات بعيدًا عن بيتها؛ فزينة المرأة وجمالها هو مصدر من مصادر قوى التماسك في الأسرة وجزء مهم من عناصر السكينة الاجتماعية بين الرجل والمرأة. وكما قلنا قبل في تأويل قوله تعالى {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.. أي اجعلن بيوتكن تنعم بالسكينة، والبيت هنا ليس الحيطان والأبواب وإنما البيت هو الأسرة، أي اجعلن أسركن تنعم بالسكينة وذلك بعدم إبراز زينتكن لغير أزواجكن كما تفعل نساء الجاهلية. حتى القواعد من النساء {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (النور: 60) وتعريف القواعد من النساء: هن اللاتي لا يرجون نكاحًا، سواء كان ذلك نتيجة للمرض أو الشيخوخة، وهذا التعريف للقواعد من النساء لا يشمل النساء اللاتي يئسن من المحيض، فليس كل امرأة يئست من المحيض لا ترجو نكاحًا. والنكاح هنا هو الوطء. نقول إن القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا ينبغي ألا يتبرجن بزينتهن أي لا يبعثرنها ويبرزنها، وإن كان قد خفف الله عنهن أن يضعن ثيابهن في نطاق ظروفهن الأسرية، ولكن ذلك الوضع للثياب في حدود أمرين: عدم إبراز الزينة والاستعفاف. وهذه الآية سبقتها آيات تتحدث عن الذين يعايشون أهل البيت من العاملين والعاملات! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. (النور 58) فإذا كان في البيت عمال يعملون وأطفال يتحركون فينبغي أن يستأذنوا في الأوقات التي يتخفف فيها أهل البيت من ثيابهم الخارجية، أما غير هذه الأوقات فلا جناح عليهم. وجملة الأمر أن تزين المرأة ينبغي أن يحافظ على قوى التماسك الأسري في المجتمع، نعم تتزين المرأة من غير إبراز لهذه الزينة لغير زوجها، ولو خرجت تبرز مفاتنها أمام الجائع والمحروم والمضطرب في المجتمع فسوف يؤدي ذلك إلى فتنة اجتماعية وفساد كبير. ولعل قول الله تعالى {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} (النور 31) يشير كذلك إلى المعنى نفسه: وهو أن المرأة في سعيها في الحياة (الضرب بالأرجل) ينبغي ألا تبرز زينتها في الشوارع والأسواق. (هذا التأويل لمعنى الضرب بالأرجل للدكتور محمد شحرور في كتابه: الكتاب والقرآن)، أو على النساء ألا يمشين مشية تظهر وتبرز زينتهن بأن تتقصع وتتلوى في مشيتها؛ وهو ما يؤدي إلى ظهور فتنتها وإن كانت مستترة بردائها. تعريف الزينة يقول الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...} (النور: 30)، ولو تدبرنا هذه الآية الكريمة لرأينا أن الزينة مرتبطة بغض البصر وبحفظ الفرج، أي أنها مرتبطة بالميل الجنسي بين الرجل والمرأة، ومن ثم فكل ما يتعلق بالميل الجنسي من إيماءات كلامية أو بصرية أو حركية أو لباسية هو من قبيل الزينة التي لا تبدى إلا للأزواج فالمرأة تخضع بالقول لزوجها ولكنها لا تخضع بالقول لغيره من الرجال. أما الزينة المتعلقة باللباس فقط فهذه يمكن إظهارها للمحارم أو للأطفال أو العمال (من غير أولي الإربة من الرجال)، ولقد توقف الرازي عند لفظة (من) في قوله تعالى: {يغضوا من أبصارهم} فقال: إن الله لم يقل (يغضوا أبصارهم)، وقال: {يغضوا من أبصارهم}، أي ينقصوا من نظرهم؛ فالبصر إذا لم يُمَكَّنْ من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه، وعلى هذا فـ(مِنْ) ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض، يقال غضضت من فلان إذا نقصت قدره. ومعنى كلام الرازي أن الأمر لا يتعلق بالبصر كآلة للنظرة، وإنما يتعلق بالقلب في توجيهه للبصر، ولقد سئل الشبلي عن قوله: {يغضوا من أبصارهم} فقال (أبصار الرؤوس من المحرمات وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى). ونعود فنقول بأن غض البصر لا يعني إغلاق العين، وإنما يعني صرف القلب عن المحارم. زينة الملبس ولقد اختلف الناس في أمر الزينة اللباسية، وماذا يخفي اللباس وماذا يظهر؟ ولقد ذكر الرازي قول القفال: (إن معنى (إلا ما ظهر منها) أي إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء الوجه والكفان، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين). ولقد وقف محمد أسد في ترجمته عند معنى القفال: إن معنى (ما ظهر منها) أي ما يظهره الإنسان في العادة الجارية فخرج منها برأي جديد، إن ما تمليه العادة الجارية من الاحتشام هو الأصل وليس بالضرورة ما اتفق عليه الفقهاء من الوجه والكفين. وأذكر أنني كتبت هامشًا على رأيه فقلت بأن الوجه والكفين هما الحدود الدنيا للاحتشام، ولا يمكن أن نترك الأمر لعادات القبائل. ثم مرت الأيام فقرأت للدكتور محمد شحرور حول القضية نفسها في كتابه (الكتاب والقرآن)، فهبط بالحدود الدنيا لزي المرأة إلى فرجها وثديها وتحت إبطها وإليتيها، مؤولا قول الله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) مفسرا كلمة الجيوب بما ذكرنا. وتستطيع المرأة في نظرية شحرور أن تظهر عارية تمامًا أمام المحارم، فإن تغطت أمامهم فمن باب الحياء وليس من باب اتباع الفقه. وشحرور يعتبر أن تغطية الجيوب هو الحد الأدنى للزي في الإسلام بينما إظهار الوجه والكفين هو الحد الأقصى. وتصور مجتمعا – أيا كانت عقائده – تمشي نساؤه عاريات إلا من وريقات متناثرة على جسد المرأة تغطي ما بين النهدين وما تحتها والفرج وما تحت الإبطين والإليتين! وفي رأينا أن كل هذا الضلال إنما نشأ من عدم فهم قول الإمام القفال عندما قال: إن معنى ما ظهر منها أي ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، ثم تفسير معنى الخمار بأنه أي غطاء وليس غطاء الرأس فحسب، ثم تأويل جيوبهن، بمعنى أن الجيب فتحة لها طبقتان، فالجيوب في المرأة لها طبقتان أو طبقتان مع خرق وهي ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين والفرج والإليتين. |