| البعثة النبوية ومرتكزات البناء الإنساني   عدد القراء : 1783   . د.ماجد عبد السلام إبراهيم من المعلوم أن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة ،وأعظم امة هي التي تحمل أعظم رسالة، وهي التي تقدم أعظم منهج، والتي تنفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة. ولقد كانت المنة الالهية على هذه الامة بهذا الرسول وبهذه الرسالة العظيمة . قال تعالى (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (آل عمران: 164). وهكذا أوجزت الآية الكريمة الغاية من بعثة النبي (عليه السلام) في المرتكزات الاتية: * يتلو عليهم آياته. * يزكيهم. * يعلمهم الكتاب والحكمة. فكان جهده (صلى الله عليه وسلم) متجها صوب بناء المسلم عن طريق هذه المرتكزات التي بينتها الاية الكريمة: 1- فالبعث والاحياء للمجتمع الراكد الذي يسوده التقليد والجمود، لا يكون ولن يكون الا عن طريق تلاوة القرآن وتدبر اياته. ولعلي اشبه حاجة مسيرة الحياة الى هدايات معرفة الوحي في الكتاب والسنة- حتى لايضل العقل ويشقىالانسان - بحاجة الالة الى دليل التشغيل ومعرفة كيفية معالجة الاعطال الطارئة او المتوقعة. ذلك ان ايةآ لة منتجة فاقدة لدليل التشغيل ومخطط التصميم تصبح كما مهملا وعبئا على الانسان ومشكلة له بدل ان تكون حلا ومعينا لجهده. لهذا جاءت الدعوة الى تلاوة القران وتدبره وفهمه في آيات واحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم (من قرأحرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر امثالها لا اقول(الم) حرف ولكن الف حرف ولام حرف وميم حرف ) (رواه الترمذي وقال:حسن صحيح غريب) وقوله: (... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده). رواه مسلم عن ابي هريرة . وقوله (صلى الله عليه وسلم):(يقال لصاحب القرآن:اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فان منزلتك عند اخر ايه تقرؤها ) (رواه ابو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر). وهذه الدعوة الملحة المتكررة دليل واضح على أهمية حضور معرفة الوحي وهداياته, لتنير عقل المسلم وتزكي نفسه وتسمو بروحه وتعصمه بصائر الحاضر وبشائر المستقبل وتحول بينه وبين المرء والجدال غير المجدي على الاصعدة المتعددة, مصداقاً لقوله تعالى:(ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) (الكهف: 54). 2- والامر الثاني: من مرتكزات البناء الانساني(ويزكيهم) أي يطهرهم ويرفعهم وينقيهم, يطهر قلوبهم وتصوراتهم ومشاعرهم, ويطهر بيوتهم وحياتهم ومجتمعهم من لوثة الجاهلية وارجاسها. ومن ارجاسها هذا الذي وصفه جعفر بن ابي طالب وهو يحدث نجاشي الحبشة في مواجهة رسولي قريش اليه وقد جاءا اليه ليسلمهما المهاجرين من المسلمين عنده... يقول جعفر:(ايها الملك كنا قوما اهل جاهلية نعبد الاصنام، وناكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام، ونسيء الجوار، وياكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وامانته وعفافه، فدعانا الى الله وحده نوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان وامرنا بصدق الحديث واداء الامانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل الميتة وقذف المحصنات. وامرنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئا وامرنا بالصلاة والزكاة والصيام) (ابن هشام 336/1). من هذا النص يتبين ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قام بتغيير وبناء المسلم بناء تتحقق فيه الكرامة الانسانية التي تؤهل الانسان للاضطلاع بمهمة الاستخلاف المنوطة به بعالم الشهادة. 3- والامر الثالث: التعليم، فالتعليم هو نقطة الانطلاق في المعالجة والنهوض والاصلاح واقامة مجتمعات المستقبل. لذلك بدأ الوحي في خطواته الاولى للرسالة بقوله(اقرأ) مدخلا حضاريا ومفتاحا ثقافيا ووسيلة تربوية ومنطلقا علميا لتحقيق التوجه دائما الى الكمال والاكتمال لرحلة الحياة ... فبداية الوحي بـ(اقرأ) ومن ثم تحديد مقصد القراءة وهدفها ووجهتها باسم الله الذي خلق وباسم الرب الاكرم له دلالته الواضحه في تحديد نقطة الانطلاق لكل اصلاح وبناء وتغيير. فلم يبدأ الوحي بالامر بالدعوة الى فرائض الدين لان الدعوة بغير علم وفقه سوف تكرس التخلف والجهل كما تصبح سبيلا لتنفير الناس عن دين الله من حيث يدري صاحبها او لا يدري... كما ان الرسالة الخاتمة لم تبدأ بالدعوة الى الجهاد على الرغم من تكالب الاعداء وشراستهم واستمرارهم بالعدوان على المؤمنين لان الحركة الجهادية العمياء بلا علم ولا فقه تؤدي الى القتال تحت الرايات العمياء ووضعها في غير موضعها والعجز عن دراسة الجدوى وتحديد الاستطاعة, وتصبح سبيلا لابتزاز الاعداء وتوظيف الطاقات الإسلامية في غير المصلحة الاسلامية وتصفية الحسابات الاقليمية والدولية بدماء المسلمين. ان الرسالة لم تبدا بالدعوة الى اقامة الشعائر بمعناها الخاص من صوم وصلاة وحج وزكاة ولا بالحديث عن اركان الاسلام واسس بنائه ومقوماتها ولا بيان القيم الاخلاقية ولاحتى ببيان اركان العقيدة وانما بدأت بـ(اقرأ.). وهكذا فالعلم والتعليم والتربية مدخل ذلك كله ووسيلة ذلك كله، لذلك جعلت الرسالة الخاتمة طلب العلم فرض عين فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(طلب العلم فريضة على كل مسلم) (رواه الطبراني وابو يعلي وغيرهما). ونص الحديث يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلمة ايضا كما هو معروف لغة وشرعا وواقعا. واكد النبي (صلى الله عليه وسلم) اهمية تيسير التعليم والتخصص في امته عبر مراحل الدعوة سلما وحربا فكان فداء الاسرى في معركة بدر ان يعلم الاسير عشرا من ابناء المدينة ثمنا لفكاكه من الاسر واعتبر العمل الفكري منا على انواع الجهاد وكان الجهاد بالقرآن مصدر جهاده الكبير استجابة لقوله تعالى:(وجاهدهم به جهادا كبيرا) (الفرقان:52)، وجعل النظرة لطلب العلم والتفقه في الدين مقدمة على نفير مواجهة الاعداء وحصانة للنصر لابد منها لقوله تعالى:(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) (التوبة: 122). في ظل هذه المرتكزات القرآنية بنى النبي (صلى الله عليه وسلم) جيلا جديدا وفكرا جديدا قائما على تلاوة القرآن وتدبره وتنزيل قيمه على الواقع فاستحق هذا الجيل وراثة الارض وسيادته عليها, مصداقا لقوله تعالى:(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون* ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين* وما ارسلناك الارحمة للعالمين) (الانبياء: 105). ولعل من الاهمية بمكان التأكيد لامتنا الاسلامية في وضعها الراهن على ان اعادة البناء لها لابد ان يتم على اساس معطيات الكتاب والسنة، وفي ضوء هدايات الوحي ومكتسبات العقل وابداعاته ليعود من ثَمّ نُسغ الحياة لواقع المسلمين المتخلف ويحال دون تمدد (الاخر) في فراغنا الثقافي والتشريعي والتربوي والتعليمي والاعلامي. (والله غالب على امره ولكن أكثرالناس لايعلمون) (يوسف: 21).
|