إيمان المسلم بالله.. الضرورة والغاية والطريقة والمنهاج   عدد القراء : 1467   .

من الأخطاءِ الشائعة في أعرافِ عامَّة الناس، مدحُ الإيمان الفطريِّ الذي يأتي عن طريقِ الوجدان، حيث يظنُّ قسمٌ منهم أنه لا داعي للتفكُّر حين الإيمان، ويكفيهم ما تلقَّوهُ من الإيمان عن طريقِ التلقين، أو ما ورثوهُ من آبائهم بالتقليدِ!! وأخذ البعضُ هذا المفهومَ الخطأ وشَرَعَ يدافعُ عنه من غير أن يتعمَّقَ بفكرتهِ ومدى صلاحيتها من ناحيةِ النظر الموضوعي أو من ناحيةِ العُرف الشرعي. وظنَّ قسمٌ من الناس أنه ليس من الضروريِّ التفكرُ في وجودِ الله وصلته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالحياةِ والكون والإنسان، أو صلةِ الإنسان به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وعدَّ فكرةَ وجود إله فكرةً حسنة، ويكفي أن يؤمن بها بعض الناسِ من غير أن يكون لها تأثيرٌ في حياتهم من باب أن الدين لله وتأثراً بعقيدة فصل الدين عن الحياةِ. وقسمٌ من المتعلمينَ أخذَ يقيسُ استعمالَ العقل في الإيمانِ بوجود الله على استعمالهِ في التفكُّر في ذات اللهِ، فأنكرَ التفكر في الوصولِ إلى الإيمان من غير طريقِ العقل، فأوجبَ الإيمانَ بالله عن طريقِ الوجدان أو التلقين.
ولما اضطربَ قسمٌ من الناس في إيمانِهم بالله، بين متحقِّقٍ في هذا الإيمانِ وآخر متشكِّك، وآخر يخشى البحثَ والنظر ويقبلُ التهمة لعجزهِ عن الجواب، كان من الضرورةِ التفكر في قضيَّة الإيمان باللهِ على الطريقة الشرعيَّة؛ لخطورةِ هذه القضية في حياة الإنسان، قضيةُ الإيمان بالله وضرورةُ ارتكازه على يقينٍ يقنعُ عقلَ المرء وحقيقةٍ تطمئن قلبه ينتج عنهما العمل بالتكليف الشرعي على بصيرةٍ.
ولقد عالج الإسلامُ هذه القضيةَ بضرورتها الموضوعية بأمرِ اللهِ أن يكون إيمان المسلمِ عن طريق العلمِ والتفكر؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ) وقَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وقَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بما يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ الله مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وهكذا مئاتُ الآياتِ في القرآن الكريم تدعو الإنسانَ للتفكر والتوصُّل إلى الإيمانِ بالله، وأن يستدلَّ على وجوده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حتى يكون إيمانه إيماناً راسخاً عن عقلٍ وبيِّنة.
أما الغايةُ؛ فهي أن يحصلَ الإيمان بالله عند كلِّ مسلمٍ بما يوصلهُ إلى إنفاذِ أوامره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بثباتٍ تامٍّ؛ فقطعاً لا يستوي المتيقِّن مع غيرهِ؛ هذا فضلاً عن الضرورةِ الشرعية في الدعوةِ إلى هذا العلم؛ ولهذا يجبُ أن يكون إيمان كلِّ مسلم عن علمٍ قائم بالدليل الذي يوصلهُ إلى هذا اليقين، ويتأتَّى له ذلك بحسبِ أهليته على الإدراك والفهم، فدليلُ إيمان كلِّ مسلمٍ بالله حسبَ أهليته في التحصيل، والناسُ في هذا ثلاثةٌ: الأولُ: مَن ليس له أهليةُ الفهم لشيءٍ من الأدلة أصلاً؛ وحصلَ له اليقينُ، فيكتفى منه بذلك ما لم يظهر التردُّد عليه، لأنه مبلغُ طاقتهِ. والثاني: ((مَن فيه أهليةٌ لفهم الأدلَّة لَمْ يُكْتَفَ منه إلاَّ بالإيمانِ عن دليلٍ)).
والثالثُ: حين حملِ الدعوة إلى الناسِ والعمل في تبليغها؛ فإنه يجب أن يتعلَّمَ المؤمن من الأدلَّة على قدرِ ما يسدُّ حاجةَ المتلقِّي أو يردُّ به على الملحدين والمرجفين.
أما الطريقةُ؛ فمع أن الإيمان بالخالق فطري في كل إنسان، إلاَّ أن هذا الإيْمانَ الفطريَّ يأتِي عن طريقِ الوجدان. وهو طريقٌ غَيْرُ مَأْمُونِ العاقبةِ، وغيرُ مُوصِلٍ إلى تركيزٍ إذا تُرِكَ وحدَهُ. فالوجدانُ كثيراً ما يُضْفِي على ما يؤمِنُ به أشياءَ لا حقائقَ لَها، ولكنَّ الوجدانَ تخيَّلها صفاتٍ لازمة لما آمَنَ به، فوقعَ في الكُفر أو الضَّلال. وما عبادةُ الأوثانِ، وما الخرافاتُ والتُّرهات إلاَّ نتيجةً لخطأ الوجدانِ. ولهذا لم يترك الإسلامُ الوجدانَ وحدَهُ طريقةً للإيْمان، حتى لا يجعلَ للهِ صفات تتناقضُ مع الألوهيَّة، أو يجعلهُ مُمْكِنَ التجسُّد في أشياءٍ مادية، أو يتصورَ إمكان التقرُّب إليه بعبادةِ أشياء ماديَّة، فيؤدِّي إمَّا إلى الكُفر أو الإشراكِ، وإما إلى الأوهامِ والخرافات التي يأبَاها الإيْمانُ الصَّادقُ. ولذلك حتَّمَ الإسلامُ استعمالَ العقلِ مع الوجدان، وأوجبَ على المسلمِ استعمال عقلهِ حين يؤمنُ بالله تعالى، ونَهَى عَنِ التَّقْلِيْدِ في العقيدةِ ولذلك جعلَ العقلَ حَكَماً في الإيْمان باللهِ تعالى. قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ).
 ولهذا كان واجباً على كلِّ مسلمٍ أن يجعلَ إيْمانهُ صادراً عن تفكيرٍ وبحث ونظرٍ، وأن يُحَكِّمَ العقلَ تحكيماً مُطْلَقاً في الإيْمانِ بوجود الله تعالى. والدعوةُ إلى النظرِ في الكون لاستنباط سُنَنِهِ والاهتداء إلى الإيْمان ببارئهِ، يكرِّرُها القُرْآنُ مئاتَ المرَّات في سُوَرِهِ المختلفةِ، وكلُّها موجَّهةٌ إلى قِوَى الإنسانِ العاقلة تدعوهُ إلى التدبُّر والتأمُّلِ ليكون إيْمانهُ عن عقلٍ وبيِّنة وتحذِّره الأخذَ بِما وجدَ عليه آباءَهُ من غيرِ نظرٍ فيه وتَمحيص لهُ وثقةٍ ذاتيَّة بِمبلغه من الحقِّ. هذا هو الإيْمانُ الذي دعَا الإسلامُ إليه، وهو ليسَ هذا الإيْمانُ الذي يسمُّونه إيْمانَ العجائزِ، إنَّما هو إِيْمَانُ الْمُسْتَنِيْرِ الْمُسْتَيْقِنِ الَّذِي نَظَرَ وَنَظَرَ، ثُمَّ فَكَّرَ وَفَكَّرَ، ثُمَّ وَصَلَ مِنْ طَرِيْقِ النَّظَرِ وَالتَّفْكِيْرِ إِلَى الْيَقِيْنِ بِاللهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ.
أما المنهاجُ؛ فهو سلوكُ الطريق المعروفِ؛ ومنهاجُ الإيمان بالله هو سلوكُ طريق العقلِ في الوصول إلى التصديقِ المنتج لاستقامة القول والعملِ بالشريعة الإسلامية، فإنه يجبُ أن يكون باستعمال العقلِ استعمالاً صَحيحاً، بحيث لا يتعدَّى حُدودَهُ وأن لا يشتغلَ بما لا يقدرُ عليه. وعلى الرغمِ من أنَّ الإسلام والضرورةَ أوجبا استعمالَ العقل في الوصولِ إلى الإيمان بالله، فإنه من المعروفِ بداهةً أن العقلَ لا يمكنهُ إدراك ما هو خارجُ دائرةِ مَدارِكه، أي ما هو فوق حسِّه وفوق المعلوماتِ المتوفِّرة لديه.