استراتيجية اميركا الحقيقية في المنطقة   عدد القراء : 638   . (لو ان الله أبعد ذلك النفط العربي قليلاً نحو الغرب، لكانت مشكلتنا سهلة). هكذا انفجر مستشار الأمن القومي الأميركي، ذات يوم، في وجه فريق التخطيط الاستراتيجي، حين جاؤه بالخطط الموضوعة لاحتمالات التدخل العسكري في مناطق منابع النفط في الخليج، بعد ان تواردت الأنباء تباعاً عن انهيار نظام الشاه في ايران، في عهد إدارة الرئيس كارتر، أواخر السبعينات من القرن الماضي.
حتى ذلك الوقت، لم يكن للادارات الأميركية المتعاقبة استراتيجيات حقيقية لحماية مصالحها في تدفق النفط من الخليج. وهو ما كان يشكل كابوساً دائماً لمسؤولي الحرب والأمن القومي في الولايات المتحدة. وذلك بسبب الاعتماد المتزايد، والثقة الموضوعة في القوات المسلحة لشاه ايران، كعامل اساسي في تثبيت استقرار المنطقة. أما استراتيجيتها في المنطقة والعالم، فقد كانت تقوم على ما كان يسمى (استراتيجية الحرب ونصف الحرب). وهي تقوم على قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب رئيسية واحدة، وبقوات غير نووية، في منطقة ما من العالم، وكذلك القدرة على خوض حرب أخرى، أضيق نطاقاً من الأولى، في آن معاً. حيث كانت الحرب في الشرق الأوسط تعتبر في استراتيجية وزارة الحرب الاميركية نصف حرب.
ومن المفارقات، انه في تلك الفترة فقط، بدأ التخطيط الجدي لوضع استراتيجية حقيقية لحماية المصالح النفطية للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما ارتبط باسمي: مستشار الأمن القومي بريجنسكي، ووزير حرب الرئيس كارتر هارولد براون. أما المفارقة، فهي ان من قام بالمهمة الاستراتيجية، طوال أكثر من عقدين ونصف عقد، هم تلامذة بريجنسكي من الصف الأول. وقد عبر الأخير طوال الأشهر الماضية عن استخفافه بما يسمع من سياسات واستراتيجيات لبلاده في المنطقة، بما في ذلك نقده اللاذع للسياسات العربية الرسمية. ولم يبد شيئاً من الارتياح، إلا بعد تشكيل لجنة (بيكر - هاملتون)، واستبدال وزير الحرب الأميركي بالوزير الحالي روبرت غيتس الذي كانت أولى تصريحاته بعد زيارة العراق هي: (إقامة طويلة الأمد للقوات الأميركية في مياه الخليج) (!). وهو ما يتناقض شكلياً مع معظم التوصيات العسكرية والأمنية للّجنة العتيدة.
ما يثير الحزن، هو ما جرى ويجري تسويقه الآن من ان توصيات لجنة بيكر - هاملتون الـ79 هي استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة في المنطقة. وقد اسهمت ادارة بوش، عن قصد، في تعاطيها الاعلامي، بتأجيل موقف الرئيس منها وبغيرها من التسريبات، في ترك هذا الانطباع وتعميمه. والكل يعرف ان الاستراتيجيات لا تصنعها لجان من خارج مؤسسات الادارة، فضلاً عن أنها لا تعنى بالسياسة اليومية لتطبيق هذه الاستراتيجيات. فكيف بتوصيات لجنة تحدد المهمات اليومية، اعلامية وثقافية وأمنية وسياسية، لا لموظفي سفارات واستخبارات أميركية فحسب، بل لموظفي إدارة دولة أخرى، في طور التكوين، هي العراق!
فحين واجهت الولايات المتحدة حقيقة (الفراغ الاقليمي للقوة) في أواخر السبعينات، كانت أول خطة استراتيجية لها تستند الى شقين: الأول هو تعزيز الأمن الداخلي في دول الخليج. والثاني، هو البدء بالتخطيط، لايجاد طرق ووسائل من أجل زيادة حجم الوجود العسكري في الخليج، وذلك لتأمين التحرك بسرعة أكبر في وقت الأزمات. وقد استغرق ذلك ما يقرب من عشر سنوات، بما فيها الحرب العراقية - الايرانية.
واستدعى وضع هذه الاستراتيجية مجموعة هائلة من الاجتماعات، كان أهمها اجتماع واستفتاء لجميع سفراء الولايات المتحدة في المنطقة تم عقده في القاهرة، وهو استفتاء أظهر اجماعاً بأن تمركز قوات برية أميركية، أو زيادة القوات البحرية في المنطقة، سيؤدي إلى اضعاف سياسي للدول التي تتمركز فيها.
ومن اللافت والمثير أنه عند وضع سيناريوهات المخاطر على منابع النفط في أواخر السبعينات وبعد انهيار نظام الشاه، كان (احتمال غزو العراق للكويت أو السعودية، وما يتطلبه ذلك، إذا ما طلبت المساعدة للقيام بغارات جوية أميركية أو استقدام قوات مشاة البحرية من الاسطول السادس أو السابع وبعض فرق المشاة لإبعاد القوات البرية العراقية).
لم تكتمل ملامح هذه الاستراتيجية نسبياً إلا في مطلع التسعينات. فقبل اندلاع حرب الخليج الثانية (ضد العراق)، أصدر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في الشهر الأول من العام 1991، تقريراً بعنوان (من أجل تشكيل توازن أشد استقراراً في الخليج). وهو تقرير قام به فريق الدراسات الاستراتيجية التابع للمعهد، الذي يعتبر مختصاً بشؤون الشرق الأوسط ومقرباً من لجنة الضغط الموالية لإسرائيل (ايباك)، وهو من أهم المعاهد المعنية في المنطقة وأكثرها نفوذاً في الولايات المتحدة. وشارك في صناعة ذلك التقرير عدد من الأسماء البالغة الأهمية، سياسياً وعسكرياً، في إدارات الولايات المتحدة سابقاً. ومن الصدف أن دونالد رامسفيلد، الذي كان وزيراً سابقاً للحرب، كان من بينهم، وهو أقل أعضاء الفريق أهمية. وخلص التقرير الى أن (أي تركيبة دولية لصون توازن سياسي - عسكري مستقر في الخليج) عليها أن تتضمن العناصر التالية: (توازناً عسكرياً لا يتيح لأي دولة معادية أن تسيطر على المنطقة، وترتيبات اقليمية لمراقبة التسلح، وآليات دولية تتيح التدخل في حال نشوب أزمة، وتطوير قدرات الولايات المتحدة في مجال الانتشار العسكري البعيد، وتشجيع حل النزاعات الاقليمية عن طريق المفاوضات).
كيف يمكن لتوصيات لجنة بيكر - هاملتون، المسماة تضليلاً استراتيجية جديدة، أن تبدأ بدعوة (الولايات المتحدة والحكومة العراقية) للبدء (بهجوم ديبلوماسي شامل جديد) للتعامل مع (مشاكل العراق والمنطقة (!)) قبل نهاية العام 2006؟ وأكثر من ذلك تنهي توصياتها بدعوة (وكالة الاستخبارات المركزية (سي أي اي) لتوفير جنود أكثر في العراق)، وذلك بهدف(توفير صورة أكثر دقة عن الأحداث على الأرض) ولتسهيل (جهود مكافحة الإرهاب) بتسريبات أميركية ساذجة ومحسوبة، للحكومة العراقية، عن إمكان تهريب الأميركيين لرئيس النظام السابق، تم سحب اليد الأميركية عن التفاصيل المباشرة لإعدامه لتغرق بعده حكومة- دعاها التقرير (لاحظ الندية مع الولايات المتحدة) لبدء هجوم ديبلوماسي شامل - في مستنقع من ثقافة الثأر الأسود الممتدة عميقاً في ثقافات شعوب المنطقة.
يستطيع أي متابع حصيف للسياسات الأميركية أن يضيف التوصية رقم ثمانين الى توصيات لجنة بيكر - هاملتون على شكل ملاحظة تقول: الاستراتيجيات والسياسات الحقيقية الأميركية هي ما ينفذ على الأرض. وإن كُتبت على الورق فليس لكي تُعلن الآن، بل بعد وقت طويل من تنفيذها، وذهاب أصحابها!.