| الدستور القادم هل سيحقق المستقبل المنشود؟!   عدد القراء : 1551   . غفران يونس الدستور في المفهوم العلمي الحديث هو عبارة عن مجموعة قواعد قانونية تنظم كيان الدولة والمجتمع البشري الذي يعيش ضمن حيز جغرافي معين، وبما ان الانسان دائم الحركة والتطور فالدستور والقواعد القانونية في حركة دائمة ولا بد ان يعكس الدستور طموحات الشعب وامانيه وان يتضمن حقوقه وواجباته. فالدستور هو الوثيقة الرسمية التي تتضمن الاحكام والقواعد والاحكام التي تنظم البنى الاساسية للدولة وتبين شكل الحكم وطبيعة النظام، وهو مجموعة قواعد تنظم السلطة السياسية ومباشرة هذه السلطة وممارستها وكيفية انتقالها، فقوة الدستور تعود الى ان النظام القانوني وجميع النشاطات التي تمارس ترتكز عليه وتستمد منه شرعيته اذن هو القاعدة الاساسية المكونة والمنظمة لاختصاصات السلطات العامة. والقواعد القانونية تهدف الى تنظيم المجتمع وتنظيم العلاقات بين الحكام والمحكومين وتفرض القيود على الطرفين، ومن واجبها التقيد بهذه القواعد واحترامها، فيصبح الالتزام بالقانون واجباً اجتماعياً وقانونياً ويخضع لسلطة القانون او للفكرة القانونية. ويجسد الدستور الشرعية الديمقراطية التي هي تعبير عن الارادة العامة ويصهر المجتمع السياسي ويضمن وحدته وديمومته ويحافظ على استمراريته، ونجد ان اغلب الدساتير تتطلع الى غدٍ افضل لذلك نراها تحتوي على اعلانات حقوق تعكس طموحات الشعب وحقوقه واهدافه. والعبرة في التطبيق الدستوري فيمكن ان يتضمن الدستور مبدأ الفصل بين السلطات على اساس الموازنة والتعاون فيما بينها ولكن التطبيق العملي في بعض الاحيان يؤدي الى هيمنة احدى مؤسسات السلطة على الاخرى فقد يهيمن الملك او الرئيس، كما حدث في العهد الملكي عندما عجز مجلس النواب عن تحريك المسؤولية السياسية نحو الوزارة، او كما حدث في العهد الجمهوري عندما مورست السلطتين التشريعية والتنفيذية من قبل هيئة واحدة كانت تحت مسميات مجلس قيادة الثورة او مجلس الوزراء. وبدخول قوات الاحتلال العاصمة بغداد يوم 9 نيسان 2003 واعلان سقوط النظام السابق، انهارت كل مؤسسات الدولة ودمرت الكثير من البنى الثقافية والمتاحف، واصبح الفراغ الدستوري والاداري والسياسي هو السائد بشكل واضح. ولكي تتلافى قوات الاحتلال الاخطاء العديدة التي وقعت بها لجأت الى صيغة مجلس الحكم فتم تشكيل هذا المجلس باشراف قوات الاحتلال في 13 تموز 2003 الذي جاء بسابقة خطيرة على العراقيين وهي التقسيم الطائفي والعرقي من خلال المحاصصة في الوزارات وفي المجلس نفسه. ما يعنينا في هذا الموضوع هو الجانب الدستوري، فقد اقر مجلس الحكم الانتقالي قانون ادراة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في 29 شباط 2004 والملاحظ ان الجهة التي اقرت القانون (مجلس الحكم الانتقالي) قد اعطت لنفسها حقاً لم يمنحها الشعب اياه، وموضوع القانون هو ادارة لكن الواقع ان بنود هذا القانون قد شكلت هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية (السلطة التأسيسية) في حالة والمضمون حكم، ومن المعروف ان الجهة التي تتولى اعداد الدستور (السلطة التأسيسية) في حالة نشوء الدول بعد الثورات او الحروب الاهلية لا بد ان تكون منتخبة من الشعب لانها سوف تصوغ مستقبله وتحدد شكل نظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي ومجلس الحكم معين وليس منتخباً من قبل الشعب. فقد عبر تقرير المجموعة الدولية للازمات الذي نشر تحت عنوان التحدي الدستوري في العراق تقرير الشرق الاوسط رقم 19 في 13 تشرين الاول 2003 (انه يمثل اختياراً غير مرغوب فيه بين تسريع لا مبرر له للعملية الدستورية او ارجاء لا مبرر له لعملية نقل السلطة السياسية فكلاهما يمكن ان يزعزع الاستقرار). ولقانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية سلبياته فهو جاء وفقاً لصياغة المحتل ورؤية لاوضاع العراق دون اي رأي شعبي او استفتاء على مبادئه، ولا نستطيع ان نقلل من اهمية ما جاء في هذا القانون لكونه يمهد عملياً لصياغة الدستور القادم. ويمكننا ان نذكر بعض السلبيات التي وردت في مواد قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية. فالمادة (7) في هذا القانون والتي تقول (العراق بلد متعدد القوميات والشعب العربي فيه جزء لا يتجزأ من الامة العربية) هذه الفقرة الغت جميع ما ورد في الدساتير السابقة والتي تقول ان العراق جزء من الامة العربية تلك صياغة غريبة المعنى لكنها ذات دلالة ونزعة قطرية تسعى للانفصال التدريجي عن لحمة الامة ونسيجها التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي ولا يعرف لماذا لم تصاغ هذه الجملة باعطاء العراق الاولوية لانتمائه لامته، اذن يبدو ان المشرع اراد تكبير وتضخيم القوميات في العراق على حساب القومية العربية التي تشكل 80%. كان لا بد ان تكون صياغة هذه الفقرة ان العراق جزء من الامة العربية مع الاعتراف بوجود قوميتين رئيسيتين هما العرب والاكراد ووجود اقليات اخرى كالتركمان والكلدو آشوريين فالحرص على هوية المواطنة العراقية بعيداً عن كل نزعة طائفية او مذهبية لترسيخ مبدأ المساواة الفعلية لكل العراقيين على اساس الهوية الوطنية وهذا ما يجب ان يحفظه الدستور القادم وليس تجزئة الشعب العراقي الى جزأين. ونظمت المادة التاسعة مسألة اللغات الرسمية في العراق فأكدت ان اللغة العربية واللغة الكردية لغتان رسميتان في العراق الا ان مع هذا الانطلاق سيبدو الامر وكأن الخاص يحكم العام وان الاغلبية ستخضع للاقلية واضاف القانون ان تعتمد هاتان اللغتان في المخاطبات والوثائق الرسمية والمحاكم والاتفاقات داخل مجلس الوزراء ومؤسسات الدولة واي مجالات اخرى مثل الاوراق النقدية. والملاحظ ان العملة والاوراق النقدية هي امور سيادية في جميع دول العالم وهي من ضمن اختصاص الحكومة المركزية ولا يمكن ان تصدر عملتان في دولة واحدة. اما فيما يتعلق بنظام الحكم فقد اشارت المادة (4) الى (ان نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي فيدرالي ديمقراطي تعددي يجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الاقليمية والمحافظات والبلديات والادارات المحلية، ويقوم النظام الاتحادي على اساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات وليس على اساس الاصل او العرق او الاثنية او القومية او المذهب). فيما يتعلق بهذه المادة انه ترك للمحافظات الحرية في تبني هذا او عدم تبنية وهذا يعني انه من الممكن ان يطبق النظام الفيدرالي في جزء من العراق ولا يطبق في اجزاء اخرى في حين ان النظام الفيدرالي ينبغي ان يشمل كل اقليم الدولة، ومن ناحية اخرى استثنى القانون بغداد وكركوك ولا يفهم اذا كان الهدف هو منع كل منهما من تكوين اقليم فيدرالي بالاتحاد مع محافظتين اخرتين أو يمكن ان تعد كل منهما اقليماً قائماً بذاته. وقد سمح قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بازدواج الجنسية العراقية، فقد نصت المادة (11) الفقرة (ج) يحق للعراقي ان يحمل اكثر من جنسية، وان العراقي الذي اسقطت عنه جنسيته العراقية بسبب اكتساب جنسية اخرى يعد عراقياً فكان من المفروض ان يتم الاكتفاء بالنص على ضمان الدستور للحق في جنسيته على ان تترك الامور الاخرى لقانون لهذا الغرض يصدر لهذا الغرض لان الجنسية تمثل الولاء لوطن ما، وترتب على الشخص حقوقاً والتزامات فما العمل لو تعارضت مصالح البلدين اللذين يحمل جنسيتهما واي الولاءين سيتغلب. السؤال الذي يطرح الآن ما هي السبل لانجاح هذا الدستور لكي يستطيع ان يرسم خارطة العراق ومستقبله السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟ بالامكان ان نجيب على هذا التساؤل بالتوصيات التالية: 1- الدستور القادم لا بد ان يكون صناعة عراقية وليس وصفة جاهزة مستنسخة من التشريعات الامريكية ويحمل البصمات الغريبة عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبيئة العراقية. 2- اعتماد مبدأ الديمقراطية ككل لا يتجزأ فلا يمكن ان تتحقق ديمقراطية سياسية في بيئة غير ديمقراطية في مجتمع بعيد عن الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية فلا يمكن ان ينتظر من المواطنين ممارسة حرياتهم وحقوقهم اذا لم يكونوا آمنين على تلك الحقوق. 3- ان تقوم الفيدرالية على معايير جغرافية اقليمية وليس على معايير قومية عنصرية ولا دينية طائفية وان تكون ديمقراطية المشاركة وليس ديمقراطية الموافقة (التأييد) هي اساس ممارسة السلطة الفيدرالية وسلطات الاقاليم المحلية واذا كانت ديمقراطية الموافقة تقوم على اساس التأييد الشعبي للقرار السياسي الصادر عن السلطة فان ديمقراطية المشاركة تقوم على اساس المشاركة الشعبية في صنع القرار. 4- اقرار حقيقة التنوع في المجتمع العراقي لا سيما القومي والديني وان يتم التعبير عن مصالحها ورغباتها عن طريق تنظيمات عصرية تتمثل بالمجتمع المدني، احزاب ونقابات وليس عن طريق مؤسسات تقليدية عشائرية. 5- اقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة على المستويات المحلية والفيدرالية وهذا التداول يكون على اساس استبعاد كل وسائل العنف في التعامل بين القوى السياسية، وهذا الامر يتطلب اتفاق جميع القوى والمؤسسات المدنية على الاساليب السلمية المتمثلة بالانتخابات ضمن اجواء الحوار وبعيداً عن اجواء الحرب والاقتتال. 6- وبما ان الاحزاب هي المؤسسات التي تقوم عليها الحياة البرلمانية بشكل عام فلا بد ان تكون هذه الاحزاب تعبر عن مصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية معينة وان تكون لها مناهجها وخططها ولها قاعدة شعبية تستند اليها، ويكون الصراع في الانتخابات السياسية على اسس من مبادئها وخططها في السياسات العامة وان تعمل الاحزاب الحالية على نشر الوعي السياسي باهمية الدستور ليس في اوساط منتسبيها وانصار الحزب وانما على صعيد الجماهير بعقد الندوات التثقيفية الغرض منها نشر الوعي الديمقراطي والدستوري باهمية الدستور وكونه يمثل انعكاساً حقيقياً لسيادة الشعب. وبعد كل ما مر على البلد وما يمر به من غياب دولة قادرة على ان تحكم نفسها بنفسها وغياب شرعية الهيئات الحاكمة في العراق ودولة تحت الاحتلال ناقصة السيادة، لكل هذه الاسباب لا بد ان يكون الدستور القادم قادراً على ان يخلق هيئات تمارس صلاحياتها وفق بنود الدستور ويكون الضامن الحقيقي للحريات والحقوق لكل المواطنين الذين يحتضنهم العراق. وان يتم تجاوز كل الخلافات والبدء بالمصالحة الوطنية وليس اقصاء فئات معينة عن القيام بمشروع كتابة الدستور الذي سيكون الوثيقة العليا التي تحفظ حقوق الشعب وتحدد التزامات الدولة تجاه المواطنين وصيانة الحريات العامة، اذاً المطلوب من الجمعية المنتخبة التي سوف تضع الدستور ان تتجاوز كل الخلافات وان تضع مصلحة العراق اولاً واخيراً وقبل كل شيء لكي يحتضن الدستور كل العراقيين المنتمين اليه برابطة المواطنة العراقية لكي نبني عراقاً حراً يسوده الامن والسلام. |