الاحتلال الأنكلو - سكسوني والخيارات الصعبة المستقلة   عدد القراء : 1437   .

في زيارة بوش الاخيرة لاوروبا وجولته في عدد من بلدانها اصطدم بحقيقتين قاطعتين: الاولى الاصرار الاوروبي القومي والمتماسك بصدم ارسال قوات عسكرية الى العراق.
والثانية اختلاف النغمة السياسية للحوار الدبلوماسي والسياسي الاوروبي مع امريكا وخصوصاً في برلين وباريس.
فامريكا التي اعتادت منذ منتصف القرن الماضي 1945 وعقب انتهاء الحرب الكونية الثانية وتفعيل مشروع مارشال.. نقول اعتادت على اطاعة اوروبية عمياء لكل التوجهات والاوامر الامريكية ترى اليوم (تمرد) البيت الاوروبي الموحد على هذه الاوامر والتعليمات.
بل وصل الحد بصحيفة (الليفاغرو) الفرنسية القريبة من (الاليزيه) ان تكتب مقالاً افتتاحياً عشية زيارة بوش لباريس تحت عنوان (ذهب عصر الوصاية وجاء زمن المشاركة) اوضحت فيه ان اوروبا الموحدة هي الان القطب الثاني في المعادلة السياسية الدولية وانها سوف (لن تتلقى التعليمات من احد).
ويبدو ان بوش ورايس قد شربا السم الفرنسي والاهم من كل هذا هو قول المستشار الالماني شرويدر (سوف نتباحث مع الامريكيين كشركاء حول كل القضايا المستقبلية المهمة).
وكلمة شركاء هذه تعني ان العصا الامريكية في اوروبا قد كُسرت ولم تبق إلا الجزرة.
واليوم اسيوياً اعلنت الصين انها (سوف تعيد تايوان بالقوة اذا اقتضى الامر وانها لم ولن تسمح لاي قوة اجنبية بالتدخل في شؤون تايوان).
وهذا التهديد الصيني موجه لامريكا- وبريطانيا حسراً وليس الى اوروبا او اليابان.
ومما زاد الطين بلة على حكومة بوش هو ما ذكرته صحيفة البرافدا الروسية حول التباحث مع الصينيين لاجراء مناورات عسكرية مشتركة بين موسكو- وبكين.
وامام حالٍ كهذا ماذا تستطيع ان تفعل الولايات المتحدة الامريكية ازاء كل هذه التحديات؟ سيما وانها لازالت تتخبط عسكرياً- وسياسياً في المستنقع العراقي الموحل..
ان اوروبا الموحدة والصين وكوريا الشمالية وايران كل هذه الاطراف تعلم جيداً ان (المشروع الامريكي- البريطاني في العراق قد فشل واضمحل). وان امريكا امام خيارات ثلاثة في العراق :-
اولا:ً- بقاء الوضع على ما هو عليه واستمرار حالة الاحتلال والمقاومة مما يعني خسارة امريكا لنصف جيشها في العراق بعد عام من الان وعدم استطاعة امريكا وبريطانيا بجلب شركاتها ومؤسساتها الصناعية والاستثمارية الى العراق في مثل اجواء الحرب هذه.
ثانياً:-انسحاب قوات الاحتلال الانكلو- سكسوني اواخر هذا العام وترك حال البلاد بين هرج ومرج وتجاذبات اقليمية ودولية كبرى مع احتمال نشوب حرب اهلية وبالتالي كل ذلك يؤشر مقدار الفوضى والهزيمة والخسران الامريكي في العراق واستحالة تعميم التجربة العراقية على باقي دول المنطقة وفشل مشروع الشرق الاوسط الكبير بالكامل.
ثالثاً:- قام مجلس الامن وبدافع امريكي- بريطاني بوضع جدولة لانسحاب القوات المحتلة خلال فترة عام او عامين.. وهذا يعني سيطرة فصائل المقاومة العراقية بجناحيها الاسلامي- والقومي على معظم اراضي البلاد مع تدخل تركيا المباشرة في شمال العراق وايران في جنوب العراق. وبالتالي تحتاج المجموعة الدولية ومجلس امنها الى عشرات السنين ومئات القرارات لاعادة بناء وتنظيم الدولة العراقية الضائعة وفي هذه الحالة ايضاً اشارة واضحة وقاطعة على الفشل الامريكي الكبير في العراق.
واما حال كهذا نعود لصلب عنوان بحثنا (اي من الخيارات الثلاثة سوف تتبناه قوى الاحتلال).
قبل ايام كتبت صحيفة التايمز البريطانية مقالاً جاء فيه(ان ما يحدث اليوم في العراق حال عجائبية اوجدها بوش وبلير ولا يستطيع احد فك طلاسمها إلا العراقيون وحدهم).
فيما ذكرت النيويورك تايمز الامريكية (ان المقاومة العراقية اثبتت لبوش انها اكبر من ان تحتوى ببعض الاحزاب والتيارات  السياسية التي تم تصنيعها امريكياً ونقلت الى بغداد جواً وبحراً).
ولكن ما عسى لبوش وبلير ان يصنعا امام مفهوم ومصطلح الحتمية التاريخية التي تحدث عنها ماركس وهيغل وتوينبي وليدل هارت وروسو وكل هؤلاء هم فلاسفتهم وليسوا فلاسفتنا نحن معشر المسلمين هذه الحتمية التاريخية التي تقول (انك لو استطعت تغيير الحكام والملوك والرؤساء في دولة ما او امة ما فأنك لا تستطيع ان تغير دين الشعوب واخلاقهم وعاداتهم ومثُلهم وقيمهم واعيادهم واحزانهم بغفلة من الزمن فكل ذلك قد استقر واستوثق من عقول ونفسية الشعوب وتوارثوها جيلاً بعد جيل). ومن هذه الحتمية يستمر العراقيون ببطولاتهم وشجاعاتهم في مقارعة المحتل ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل حريتهم لانهم توارثوا هذه الشجاعة جيلاً بعد جيل..