ماذا يكسب العالم بعد أن تخسر الإدارة الأمريكية حربها على العراق؟   عدد القراء : 1387   .

(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون* فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (الانعام: 44-45).
تلاحقت خلال الايام الاخيرة جملة من التصريحات على لسان كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الامريكيين عن احوال قوات الاحتلال الامريكي في العراق وما تواجهه من عمليات مقاومة تكشف بدلالاتها ومعانيها عن خطورة المأزق الامريكي في العراق.
فوزير الدفاع الامريكي رامسفيلد الذي كان من اوائل المسؤولين في الادراة الامريكية الذين دعوا طبقاً لما اورده الصحفي الامريكي بوب وودورد في كتابه (خطة الهجوم) عن خفايا واسرار الحرب على العراق الى ضرب العراق واحتلاله في اول اجتماع لاركان الادارة الامريكية بعد احداث 11 ايلول الذي كان يكثر من التصريحات المتفائلة بقدرة قواته على احكام السيطرة على اوضاع العراق يعترف اخيراً بعجز هذه القوات عن التغلب على المقاومة العراقية التي وصفها بالشرسة. وكانعكاس لوضعه النفسي المتأزم بسبب هذه الحقيقة كان بالغ الندم والانزعاج وحتى الاحباط في تعليقه وردوده على تساؤلات اعضاء الكونغرس بخصوص الخطط العسكرية الامريكية لمرحلة ما بعد الحرب على العراق ومما قاله بهذا الصدد ان القوات السوفيتية وعلى الرغم من ان عددها كان يصل الى (300) الف عسكري الا انها عجزت عن تحقيق الانتصار على المقاومة الافغانية في اشارة ضمنية الى استحالة الانتصار على المقاومة العراقية بزيادة عدد القوات الامريكية في العراق. وعلى الصعيد نفسه اكد مايرز رئيس اركان جيوش الاحتلال الامريكي ان عمليات المقاومة في تصاعد مستمر وانها اصبحت اكثر تنظيماً وادق تكتيكاً.
فاذا اضفنا الى ذلك التسريبات الصحفية لبعض الجهات الاستخبارية الغربية عن ان الخسائر الامريكية الحقيقية في المعدات (طائرات، دبابات، عربات مدرعة،..) اضعاف ما تعلنه المصادر الامريكية وان الخسائر البشرية مفزعة وكذلك ما افادت به الجهات المختصة برصد ما يسمى بـ (الانشطة الارهابية) في العالم من ان هذه الانشطة تضاعفت عدة مرات خلال العام الماضي وعلى عكس ما كانت الادارة الامريكية قد تبجحت به بعد العدوان على العراق واحتلاله وذلك بالادعاء بان العالم اصبح اكثر امناً لامكن لنا ان نتبين حدة الازمة التي تواجهها الادارة الامريكية في التعاطي مع التداعيات والآثار الناجمة عن مغامراتها العسكرية في العراق، فالادارة الامريكية التي اندفعت بحقد اعمى وتعصب عنصري اسود وطموحات ومطامع مصلحية مسعورة الى شن الحرب على العراق تناست كل الدروس المستخلصة من تجارب الغزو والاحتلال وتوهمت تحت تأثير الشعور بغرور القوة الغاشمة بقدرتها على ادارة الشعب العراقي واجباره على الخضوع والتسليم بواقع الاحتلال اولاً ومن ثم القبول بنظام سياسي مصمم على المقاسات الامريكية يستجيب لاية شروط واملاءات تصدر عن واشنطن ذا ت صلة بنوع السياسات والتوجيهات على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما حصل ان حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر على وفق ما تبين آنفاً.
ازاء ذلك يكون منطقياً التساؤل عن خيارات الولايات المتحدة لمواجهة مأزقها الحالي في العراق.
ان اية قراءة مدققة للتجارب المشابهة في التاريخ تقود الى الاستنتاج بان هناك خيارين سياسين طالما لجأت الى احدهما قوات الاحتلال حين تواجه مقاومة عنيفة كالتي تواجهها قوات الاحتلال الامريكي في العراق وهما:
الاول: خيار الهروب الى الامام عبر المزيد من اعمال وعمليات القمع والقتل وبطريقة تماثل سلوك المقامر الاخرق الذي يمضي في مراهناته برغم خسائره المتلاحقة على امل تحقيق مكاسب لاحقة تعوضه عن خسائره السابقة فلا يتوقف الا بعد ان يكتشف انه قد خسر كل رصيده ولم يعد لديه ما يقامر به فيضطر للانسحاب من الميدان ذليلاً مهاناً تشيعه نظرات الازدراء والاحتقار والشماتة.
اما الخيار الثاني فيحكمه المنطق الاقتصادي العقلاني الذي يحكم التصرفات في عالم الاعمال والمال. فحين يكتشف التاجر او صاحب المشروع انه غير قادر على تعظيم ارباحه ومكاسبه فانه يفكر بالبديل الآخر المتمثل في البحث عن كيفية تدنية خسائره.
وبصرف النظر عن الطريقة التي ستتصرف بها الادارة الامريكية في مواجهة مأزقها الحالي في العراق فان النتيجة المؤكدة هي خسارة الولايات المتحدة بحربها الظالمة على العراق والتي ستمثل في الوقت نفسه كسباً كبيراً للانسانية تتمثل صوره من بين امور اخرى بما يأتي:
* تأكيد اليقين بحتمية سقوط الغزو والاحتلال والاستعلاء على الآخر مهما بلغت القوة الغاشمة التي تتبناه في مواجهة ارادة الشعوب وتصميمها على الرفض والمقاومة بكل اشكالها التي تقرها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
* تجديد الامل بامكانية الوصول الى نظام عالمي يستند حقيقة وفعلاً الى مبادئ والمساواة والتكافؤ في الحقوق والواجبات ولا اثر فيه لازدواجية المعايير والكيل بعدة مكاييل.
ولا يسمح ببقاء دول مارقة او خارجة على القانون تمترساً بما لديها من عوامل او مصادر للقوة.
* سقوط منهج المتاجرة والتذرع بشعارات وقيم الحرية وحقوق الانسان لتبرير وتمرير مشاريع الهيمنة والتسلط والاستحواذ على ثروات الشعب.
* اشاعة مناخ جديد في الحياة الدولية يسمح بالتعايش السلمي الايجابي بين الانظمة السياسية والاجتماعية المختلفة مثلما يسمح بالتعايش والحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة على قاعدة الايمان بان الاختلاف سنة من سنن هذا الكون (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم) (هود: 118) ليندحر مرة والى الابد منطق العولمة الامريكية الذي يستهدف فرص النموذج الامريكي في الحياة بكل عيوبه ونقائضه على الشعوب والامم الاخرى.
وما يمكن قوله اخيراً للقابضين على جمر المبادئ العليا والقيم الشريفة في الحياة من العراقيين في خضم هذا الابتلاء العظيم (استعينوا بالله واصبروا* ان الارض لله يرثها من يشاء من عباده* والعاقبة للمتقين) (الاعراف: 128).