| منحنى الصراع.. رؤية في ظلال العام الجديد   عدد القراء : 718   . في قراءة الصراعات التاريخية أو إصلاح خلل فادح في ميزان القوى مضت عليه عقود طويلة، فضلاً عن قرون، يبدو من العبث التركيز على التفاصيل الصغيرة هنا وهناك من تلك التي تشير إلى المعاناة والتضحيات، أو حتى مكامن الخلل في هذا المحور أو ذاك، ذلك أن الأصل هو التركيز على سؤال المنحنى بين طرفي الصراع، أيهما يصعد وأيهما يهبط. فعندما أراد هرقل، ذلك القائد التاريخي أيام النبي عليه الصلاة والسلام أن يقرأ منحنى الصراع في جزيرة العرب فيما يتصل بدعوة الإسلام، لم يكن منه غير توجيه ذلك السؤال الذكي لمبعوثي قريش: (أصحابه يزيدون أم ينقصون؟).في سياق قراءة تحولات العام المنصرم، والأهم منحنى الصراع في المنطقة وعليها لم أجد غير تسجيل هذه الفقرة المعبرة من مقال لصحافي وكاتب صهيوني معروف هو ناحوم برنياع من صحيفة يديعوت أحرونوت، والتي جاءت تعليقاً على الاجتماع الأخير لمنتدى سابان، وهو منتدى يعقده سنوياً الملياردير اليهودي الأميركي حاييم سابان، ويحضره الزعماء الصهاينة وكبار القادة في الكيان الصهيوني، وفي الولايات المتحدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. يقول برنياع: ( طوال المؤتمر تداول الحضور في وضع دولتيهما الصعب. تحدثوا هناك عن العراق وعن حماس وعن حزب الله والقيم التي يزرعها الإسلام المتطرف. تحدثوا عن أزمة الطاقة وأزمة القيادة وتوقفوا عند الأخطاء التي لا تغتفر التي ارتكبتها إدارة بوش. طوال سنين عديدة تسنى لي أن أستمع إلى عدد غير قليل من مثل هذه النقاشات: إلا أن هذا المؤتمر كان أكثرها كآبة وتردياً. وربما يمكن القول انه شهد أكثر النقاشات يأسا. الأميركيون ذرفوا الدموع على فشلهم في العراق، والصهاينة تباكوا من التهديد الإيراني، والانكسار في لبنان، وانفراط الحكم في فلسطين. الحاضر أزعجهم وأقلقهم، والمستقبل يخيفهم. لو تسنى لأيوب أن يأتي إلى هناك لاستقال بسبب الكآبة). نعتذر لطول الاقتباس ولكنها الضرورة، وأحببنا أن نثبتها هنا من أجل كثيرين لا يرون ما نراه وكررناه مراراً منذ سنوات عديدة، تحديداً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى ودخول مصطلح التهديد الوجودي إلى قاموس الكيان الصهيوني بعد غيابه منذ أكثر من عقدين من الزمان، وهو مصطلح لم يغادر الوعي اليهودي، ولا الصهيوني منذ ذلك الحين. وفي آخر استطلاع للرأي قال 57 في المئة من الصهاينة إنه خائفون على وجود كيانهم. عندما قرر الأميركيون احتلال العراق قال الكثيرون إن الكارثة قد حلت، لاسيما حين شفع خطاب الحرب بحديث إعادة تشكيل المنطقة، ولكننا لم نتردد لحظة في القول إن ذلك الاحتلال سيؤكد المنحنى الهابط، ليس فقط للكيان الصهيوني التي قررت إحاطة نفسها بجدار أمني بعد سنوات من الحديث عن التمدد والهيمنة على المنطقة، ثم انسحبت من غزة بعد ذلك، ولكن أيضاً للولايات المتحدة التي ستتورط في العراق محولة محطة إعادة تشكيل المنطقة إلى محطة لضرب نفوذها وهيبتها، هي الإمبراطورية الأقوى في التاريخ البشري. لقد فعلت انتفاضة الأقصى فعلها في الوعي العربي والإسلامي، وعندما ذهبت شخصياً إلى العراق بعد عشرين يوماً من احتلال بغداد وتجولت في بغداد والرمادي والفلوجة وجدت شهداء فلسطين ورموزها حاضرين هناك بكل جلالهم وهيبتهم، فعدت أقول إن المقاومة قادمة بأسرع مما يتوقع الكثيرون. هكذا لم تمض سوى ثلاث سنوات ونصف على الاحتلال حتى خرج السياسي المعروف، مدير التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية (ريتشارد هاس) يقول إن عصر الهيمنة الأميركية على المنطقة قد انتهى، وإن العامل الأكبر في التأثير عليها مستقبلاً سيكون محلياً، تحديداً القوى الإسلامية. والحال إننا لم نكن في حاجة إلى كلام هاس، لأن المنحنى واضح كل الوضوح، ليس فيما يتعلق بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني فحسب، بل أيضاً فيما يتعلق بطلائع التغيير في المنطقة، وكذلك الأنظمة التي استندت طويلاً إلى الولايات المتحدة في صناعة هيبتها أمام شعوبها. طلائع التغيير التي نعنيها ليست القوى والحركات الإسلامية والقومية، أو الوطنية فحسب، بل أيضاً الشارع الذي غدا أكثر جرأة في التعبير عن رأيه وأكثر انتماءً لدينه وانحيازاً لهويته، ومن يراقب حركته وصحوته الإسلامية العارمة من المحيط إلى الخليج، ومن طنجة إلى جاكرتا، بل حتى في الجاليات الإسلامية في المهجر.. من يتابع ذلك، فلا بد أن يلمس تلك الروح الجمعية التي تتبلور، وذلك الوعي الجمعي للإنسان العربي والمسلم بالقضايا الأساسية التي تواجهه. ربما كان للإعلام وثورة الفضائيات دور في صناعة هذه الروح وذلك الوعي، الأمر الذي لا خلاف عليه، ولكن النتيجة تبقى هي ذاتها، وهي أن الأمة في حالة صعود، وأن من استهدفوها، ومن شرذموها، ومن يسعون إلى إدامة ضعفها في حالة هبوط لا تخفى على عاقل. لسنا نبشر بزوال الولايات المتحدة ولا بخروجها من دائرة الصراع الدولي، ولا حتى بنهاية سريعة للصراع العربي الصهيوني، ولكننا نبشر بوضع دولي جديد تصعد فيه قوى جديدة، عنوانه تعددية قطبية تسمح للمستضعفين بتقرير مصيرهم بأنفسهم بعيداً عن الحذاء الأميركي الذي ألقى بثقله طويلاً على هذا العالم. ويكفي أن الكثيرين سيكونون ممتنين لنا لأننا أصحاب السبق في التمرد عليه وبث الضعف في أوصاله. ينسحب عام ,2006 فيما تتواصل بشارة الصعود لهذه الأمة، ومعها علامات الهبوط لعدوها، لكن المسيرة لا تزال طويلة وتنطوي على قدر كبير من المعاناة والتضحيات. |