(سيمضون ونبقى)   عدد القراء : 867   . نشأت في ارض الرافدين منذ اقدم العصور ارقى الحضارات، وفيها ظهرت أولى الدول العظمى في التأريخ ، ولذلك استمر الغزاة عليها ، كلما سنحت لهم الفرصة ، طيلة تأريخه القديم، ولم يستطع هؤلاء الغزاة البقاء طويلا، اذ سرعان ما تهب عليهم رياح الثورة وتطهر ارضهم من الغزاة الذين هم دون مستوى السكان حضارة وتطوراً، ولكنهم استفادوا من منجزات ارض الرافدين الحضارية، ومستغلة خيراته وموقعه الجغرافي للحيلولة دون قيام دولة قوية، وإضعافه في كل شؤونه.
فكان الغزو (اللولوبي) على الحدود الذي اندحر بحملات تأديبية لردعهم والانتصار عليهم.
أما الغزو الكوتي عام (2230 ق.م) والذي استمر في احتلال ارض الرافدين مائة عام حتى تم طردهم في اول واقدم ثورة تحرير عرفها التأريخ حتى الآن ، اذ كانت فترة حكمهم من الفترات المظلمة في تأريخ بلاد وادي الرافدين.
كما تعرضت ارض الرافدين للغزو الكيشي عام (1595 ق.م) وبقيت السيطرة عليه واحتلاله أكثر من اربعة قرون حتى انتهى احتلالهم على يد اقوام أجنبية هم(العيلاميون) الذين غزوا ارض الرافدين ، وسرعان ما ثار عليهم سكان وادي الرافدين وطردوهم، الا ان غزواتهم أخذت تتكرر من سهول الاحواز حتى سارع الملك البابلي (نبوخذ نصر الأول (1124-1103ق.م) بهزيمتهم والقضاء عليهم، وقد خلد انتصاره هذا في (وثيقة النصر).
أما الغزو الفارسي الاخميني فكان في عام (539 ق.م) لخيانة اليهود في ارض الرافدين وتعاونهم سراً مع الفرس، مما سهل عليهم دخولها واحتلالها الا ان ثورات السكان العديدة ضدهم ، تركت اثرها في اضعافهم ، حتى تم زوالهم عام (331 ق.م) ولكن على يد الاسكندر المقدوني ، فوقعت ارض الرافدين تحت سيطرة سلطة اجنبية اخرى محتلة يونانية.
وبهذا خضعت بلاد الشام ومصر والعراق لامبراطورية الاسكندر وخلفائه من بعده كالسلوقيين في العراق وبلاد الشام ، والبطالة في مصر ثم تعرضت اجزاء واسعة من ارض العرب للغزو الروماني كالمغرب العربي والشام ومصر حتى اندفع الفرس (الفرثيون) لغزو العراق واتخذوه مسرحاً لحروبهم مع الرومان حتى ظهور الفرس الساسانيين، فسيطروا على مناطق واسعة ، كالعراق واليمن، ومن ثم اجتمع العرب لحربهم في معركة (ذي قار) عام(610 م) في العراق وانتصروا عليهم، وظل الامر على حاله حتى فجر الاسلام ثم الفتح المبارك، اذ فتح القلوب قبل فتح البلدان، وغير وجه التأريخ وانقذ البشرية من الضلال ، ومن الرذيلة الى الفضيلة ، ومن العمى الى الهدى، ومن الظلام الى النور، فكان العدل والحضارة متمثلاً بالاسلام ورسالته ومنهجه ودولته، حتى تم فتح ارض فارس بمعركة نهاوند (فتح الفتوح سنة 21 هـ / 641 م) واعتنق اغلبهم الاسلام وحاولوا اضفاء لون فارسي عليه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقومية والديانة الفارسية المجوسية وفكرهم السياسي ، مما جعلهم ينتحلون ديناً جديداً خاصاً بهم، يحمل الحقد والكراهية والعدوان على الاسلام ورسالته ودولته ورجاله وتأريخه ، فاستمروا باثارة الفتن والاضطرابات بشعوبية وطائفية نتنة صفراء ، حتى تمكنوا من النيل من سيادة ارض الرافدين بالغزو البويهي الفارسي واحتلال بغداد سنة(334 هـ) وانتهجوا سياسة عدوانية وعملوا على تخريب المظاهر الحضارية وشجعوا الفتن الطائفية ، وأهملوا أحوال العراق، واضطربت الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ثم اعقبهم الغزو السلجوقي التركي سنة(447 هـ) ثم تعرضت البلاد للغزو الصليبي الافرنجي القادم من اوربا الذي اندحر في معركة حطين(583 هـ/ 1187 هـ) ، الا ان الزحف المغولي وصل الى بغداد السلام بخيانة الفرس كابن العلقمي والطوسي ، وتمكنوا من احتلالها سنة (656 هـ/ 1258 م) فأفسدوا الحرث والنسل، ودمرت بغداد وخربت ما شاء لها التخريب، وصلت النكبةالكبرى حتى كانت نهايتهم في معركة (عين جالوت) سنة(658 هـ/ 1260م) ، فنهضت الامة بكيانها السياسي وتراثها الفكري والحضاري ، فكان منهم القادة والولاة والقضاة والدعاة والمصلحون ، رجال تولوا مركزهم الحضاري والقيادي في العالم ونشروا المدنية والتقدم في ظل الدولة العثمانية الاسلامية، الا ان ضعفها وتدهورها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد دفع الاوربيين الى احتلال ارض الاسلام، خلال الحقبة الممتدة من (1830 م- 1918 م) فقسموا ارض الاسلام الى دول وكيانات سياسية وثبتوا الحدود المصطنعة فيها ، فكان الغزو البريطاني لارض الرافدين واحتلال بغداد عام (1917) وهم يعلنون وعودهم وتصريحاتهم بالتحرير وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن ما لبثوا الا ونقضوها، فتفجرت الثورة العراقية عام(1920 م) التي شارك فيها الشعب العراقي بكافة اطيافه، واستمرت خمسة اشهر تكبدت خلالها القوات البريطانية المحتلة خسائر كبيرة في الارواح والمعدات حيث بلغت الخسائر نحو (2269) اصابة بين قتيل وجريح ، كما قدرت الخسائر المالية نحو (40) مليون باون استرليني.
وابدى رجال ارض الرافدين خلالها بطولات فذة تستحق الفخر والاعجاب، دللت على مدى التفاني في الدفاع عن ارضهم وعشقهم للحرية والاستقلال ، ورفض المحتل وشعاراته الجوفاء، مهما كانت العقبات والتضحيات ، فهم مشاريع استشهاد دائم من أجل اعلاء القيم العليا والرسالة الخالدة واستمروا دائماً في تطهير ارضهم من الدخلاء بالثورات والانتفاضات ، حتى عاد الطاغوت الأمريكي المستعمرواذنابه باحتلال العراق عام (2003م) فكانت الكارثة الكبرى والجراح العظيمة والفضائح البشعة التي يندى لها الجبين، والتي هي وصمة عار في تأريخ المحتل وأذنابه ، يترفع عنها حتى الحيوان في عالم الغاب، فطفح الكيل وفار التنور واستباحت كل الحرمات باسم الحرية الكاذبة والديمقراطية الجوفاء يحملها محتل غاصب ليدنس ارض وسماء هذا الوطن الطاهر، ويهلك الحرث والنسل بفعل (الفوضى البناءة)، التي صنعها الاحتلال الماكر في ارض الرافدين ، التي اصبحت مقبرة للغزاة على يد رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يحبون الموت في سبيل الله، مسترخصين كل شيء لتحرير ارضهم من دنس الاحتلال واذنابه.
انه طريق مخضب بالدماء الزكية تروي ارض الرافدين وتطهرها من الاحتلال واذنابه ، وتلقي بهم في مزابل التأريخ عاجلاً أم آجلاً، كما كان حال اسلافهم من المحتلين، وسيمضون ونبقى اعزة في ارضنا وعقيدتنا ورسالتنا ، لم نساوم محتلاً ولا منافقاً، ولم تنحن لنا هامة ولا رغّم لنا انف، ولا خف لنا صوت ، بل كنا كالاسود مهابة نزرع الرعب والخوف والهزيمة في المحتل واذنابه، تلك هي عزة ورثتها النفوس المؤمنة كابراً عن كابر عن مدار التأريخ، والعاقبة للمتقين.