| لماذا لم يذهب إلى العراق؟   عدد القراء : 918   . آخر من يحق له التنديد بأي نفوذ في العراق هو الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان إدارته، وآخر من يحق له أن يحذر من خطر الحرب الأهلية في العراق هو الرئيس الأمريكي أيضاً وأركان إدارته، وآخر من يحق له أن ينعى الاستقرار والأمن والانضباط في الشارع العراقي وفي جميع أنحاء العراق هو بوش وإدارته.. هم الذين انحازوا للأحزاب والمنظمات الحليفة لإيران منذ ما قبل الغزو والاحتلال أملاً منهم في خلق قوة حليفة للنفوذ الأمريكي في العراق، وهم الذين تعمدوا فرض (الطائفية السياسية) كقاعدة للسياسة والحكم في العراق في عهده الجديد، هم الذين صعدوا بـ(الطائفة) كتكوين اجتماعي إلى قاعدة للاستقطاب السياسي وللحكم في العراق، وفرضوا نظام (المحاصصة السياسية) فأصبحت أولوية الولاء تلقائياً للطائفة وللعرق وغيرهما، بدلاً من الولاء للوطن وللمؤسسات الوطنية الدستورية، وهم الذين قاموا بتسريح الجيش وقوات الأمن وقاموا بحل كل الوزارات ماعدا وزارة النفط فنشروا الفوضى والخراب، وهم الذين نهبوا وأعوانهم أموال البنوك العراقية ونفط العراق وثرواته لإفقاره وإجباره على الركوع أمام الاحتلال.عراق اليوم، بكل ما فيه من خراب ودمار وفساد ونهب وإفقار وإرهاب وحرب أهلية هو صنيعة جورج بوش وإدارته، ولسوء حظه لم يعد قادراً على دخوله، فبعد أن كان يذهب إلى العراق في خيلائه واستعلائه، أخذ يدخل إلى العراق خفية ومتستراً ولا يعلن عن وجوده في العراق إلا بعد مغادرته، ولكن الآن لم يعد قادراً على دخول العراق متستراً أو متخفياً فاضطر إلى الذهاب إلى الأردن كي يتباحث مع رئيس الحكومة العراقية. قبيل ساعات من وصوله إلى العاصمة الأردنية عمان وفي مؤتمر صحافي مع نظيره الاستوني تهرب بوش من الحديث عن (حرب أهلية) في العراق. وحين سئل عن الفارق بين إراقة الدماء الحالية في العراق والحرب الأهلية، قال إن التفجيرات الأخيرة جزء من نمط من الهجمات مستمرة منذ تسعة أشهر يشنها مسلحون بهدف تأجيج العنف الطائفي من خلال إثارة هجمات انتقامية. ولكن لسوء حظه تزامن هذا الانكار مع تطورين: أولهما: اضطرار نوري المالكي رئيس الحكومة إلى الاعتراف بأن العنف الطائفي المشتعل الآن في العراق تجسيد للانقسام السياسي وأن الذين في مقدورهم وقف مزيد من التدهور وإراقة الدماء هم الساسة وهذا ينفي إرجاع بوش ما يحدث من عنف طائفي لتنظيم (القاعدة). لقد أصبح العنف متجذراً في البنية السياسية- الاجتماعية في العراق، ولسوء حظ بوش ايضاً فإن حليفه نوري المالكي الذي ذهب للقائه في الأردن تعرض لإهانة بالغة تكشف تدني مكانة حكومته وعجزها.. فعندما ذهب المالكي لزيارة (مدينة الصدر) بالقرب من بغداد لحضور مراسم تأبين نحو 215 قتيلاً من ابنائها ضحايا مجزرة الخميس الدامي (23 تشرين الثاني الماضي) تعرض لصفعة مخزية وغادرها منبوذاً ومرجوماً بالحجارة من ابنائها المنكوبين الغاضبين من فشل أدائه. ثانيهما: نجاح المقاومة الوطنية العراقية في إسقاط طائرة أمريكية مقاتلة (قاذفة من طراز اف-16) وهي من أبرز طائرات الميدان الأمريكية، أي ليست مجرد مروحية. وإسقاط مثل هذه الطائرة لا يمكن أن يحدث إلا من جانب مقاتلين محترفين وليس من جانب مجرد عناصر في ميليشيات. إسقاط هذه الطائرة معناه واضح ومحدد وهو ان في العراق مقاومة محترفة لها أجهزتها واستخباراتها، ولها تسليحها المتطور، وبالمناسبة ليست تابعة أو عميلة لإيران أو سوريا، فأعوان إيران مجرد ميليشيات متورطة في الحرب الطائفية العراقية- العراقية ولا يقاتلون الأمريكيين، وسوريا التي وقع وزير خارجيتها في المنطقة الخضراء على وثيقة عودة العلاقات مع الحكومة الحليفة لواشنطن وأعلن موقفاً من مطلب الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق أقرب إلى وجهة النظر الأمريكية (انسحاب متدرج وحسب رؤية الحكومة العراقية) لا يمكن أن تكون الآن مع مثل هذا التصعيد في أداء المقاومة. واقع أمريكي مؤلم في العراق؟ نعم، لذلك توقف بوش عن الثرثرة الدائمة عن (الديمقراطية الوليدة في العراق) وعجز عن دخوله وآثر أن يتحدث عنه في الأردن. |