أمي ورغيف الخبز   عدد القراء : 690   . اخذ الليل يرخي بسدوله فوق تلك الأجساد المنزوية عن العيون ، حيث المدينة التي استغنت عما يتدلى عند الأبواب من مصابيح ، فعصر الأمان قد ولى وأصبح النور ذكريات طلاء هرم يفترش ظهر الجدران الصماء .
ففي ركن متوار في آخر الزقاق وبعد ما استأذنت شمس العصر بالرحيل ، أوصدت الأم الأرملة باب منزلها الصغير، كي توقد فانوس السنين المتعب بمعالم ما فيه من تجاعيد لتتلوا لمملكتها الصغيرة فصل آخر من عالم الليل وما فيه ، فهي أم لولد وبنت في مقتبل العمر ، يحبانها ويحرصان كل الحرص على أن يجمعا لها أي فرصة عابرة تمر بالجوار ، لأنهما يقدران عظم ما قدمت لهما من تضحيات حتى كبرا ، كما أنهم اعتادوا ومنذ أن سلك محمد ابنها طريق العلم وكتاتيب الشيوخ على أداء صلاة العشاء جماعة ، فالأم وابنتها كانا كمن يتنفس سكينة الحياة والأمل الباقي بين فتات الأيام عبر ترتيل الابن الوحيد ، فهو كان كمن يبحر في لجج هذه الدنيا ونوازلها بقارب كلمات الله ، وما أروعه من قارب نجاة ابدي
كان محمد يراقب الشارع الطويل من نافذة حجرته حيث انعدمت الحركة وغاب الجميع من مسرح الوجود ، فطبيعة الزمان والمكان يحتمان على أهل الحي دخول منازلهم في مثل هذا الوقت يوميا ، انتبه إلى الساعة المنضدية وهي تتلوى كثعبان لايعرف السكون وراح يعد دقائقها قبل أن تحسبها هي نفسها ، فصلاة العشاء ما زالت بعيدة عن موعدها ، بل إن ما تبقى من الوقت يكفي لان تتزين امة بأكملها فيه ، اجل .. اجل .. رددها عقله الباطن عدة مرات فهناك خارجا يرابط أخوته وفق الموعد المسبق فوق سبورة الحياة الحقيقية بعد ما سخروا من قناعها الواهن .. ولكن !! .. ما السبيل للخروج من المنزل وما حجته لامه التي يعلم ما يعنيه وجوده لها اليوم بعد ما تقدم بها دبيب العمر ، كما انه يعلم جيدا كيف تمر المواقف وكيف تبلى وتغور إذا ما وضع حب الله في كفة ميزان ووضع في الكفة الأخرى الكون بأسره .
اطرق مليا يفتش عن مخرج يبدد حيرته تلك ، ويعينه على أن ينفذ من هذا الموقف بسلام لايبلغه الشك أبدا ، عندها فتح باب غرفته وخرج لباحة الدار وهو مشوش الأفكار ، ليجد أمه قبالته وقد علتها ابتسامة حانية بعتاب ! يا محمد أين الخبز .. هل ذهبت إلى الفرن ! فتذكر انه كان قد اخبر العم حسن صاحب الفرن بأنه سيمر عليه آخر النهار ، وربما ما زال للان ينتظر ، عندها انفرجت أساريره وأيقن إنها عناية السماء ، فارتدى ملابسه على عجل محدثا والدته بأنه لن يتأخر وما عليها إلا انتظاره لصلاة العشاء جماعة .
أخيرا أصبح خارج المنزل حيث الزقاق المتوقد في رحم الغيب الآتي عما قريب ، ليحث الخطى مسرعا صوب العم حسن والذي كان يهم بإغلاق أبواب فرنه ، عم حسن .. عم حسن تمهل قليلا أنا محمد .. أين كنت يا ولدي لقد انتظرتك كثيرا .. ادخل فالأرغفة مازلت محتفظا لك بها .. شكرا يا عم حسن وأنا اعتذر لتأخري عن الموعد .. لا بأس يابني .. عندها أغلق الفران ومضى كل في طريق ، أما محمد فقد غير وجهته صوب رفاق العقيدة ، فهناك سلاحه مازال وقفا لمهارته التي ذاع صيتها بين أخوته ، فاليوم ليلة ولا ألف ليلة وليله قصتها العجائز . هتف بلال هذا محمد قد أتى الحمد لله لقد اكتمل النصاب وباتت لنا فسحة في توزيع الأدوار ، فالصيد ثمين اليوم إذا ما ابتلع الأمريكان الطعم ، راح محمد يوزع المهام على إخوته ويعين مكان كل واحد منهم ، ومن أي اتجاه سيفتحون نار سلاحهم وصولا إلى بيان طريقة الانسحاب والطرق الملتوية التي يحفظونها عن ظهر قلب إذا ما حدث طارئ ما ، فالدورية الأمريكية كانت وحسب ما ورد من أخبار عيون الأصدقاء تتألف من مدرعتين وخمسة وعشرين جنديا تتقدمهم واحدة وتختم بهم الأخرى ، فكانت الخطة تشتمل على استدراج العدو لمنتصف الطريق ومن ثم إيقاف تقدم العربة الأولى وما يحدثه تدميرها من هلع ورعب في صفوفهم ، فالانقضاض على الراجلة من الجنود ومن اتجاهين يكونان نصف هلال مع كثافة نارية صوب مكان واحد ، مما يشتت أفكار العدو ويجعله في حيرة من أي مكان يضرب ، بعدها سألهم محمد هل هناك من سؤال  أو اقتراح .. فقالوا لا .. إذن هيا على بركة الله كل إلى مكانه الذي خصص له .
كان محمد يسرح في عالم جديد ، عالم روحاني يكلم فيه قاذفته الصاروخية ويغازلها كمن يغازل حبيبته بعد طوال فراق ، ويخبرها همسا دافئا بأنه يوم عرسك أيتها العذراء ، وما ابغي منك إلا زغاريد الفرح الآتي عما قريب . !
الجميع كان يترقب إطلاق الحمامة ، فهي إشارة ساعة الصفر المتفق عليها والتي يفهم من صفيق جناحيها قاموس لغة العشاق وبدأ النزال .. وما هي إلا لحظات حتى سمع الجميع بصوت الحمامة وهو ينقر في طبل الموعد نحو فضاء الحرية معلنا نهاية الانتظار وبداية سمو الروح فوق خربشات الجسد الفاني بنهاية الأجل .
نادى بلال محمد .. أنها المدرعة الأولى تشق طريقها نحونا ومن خلفها الجنود وقد انشطروا نصفين على دفتي الشارع ، !! نعم يا بلال اهدأ أني أراها جيدا .. إنها تقترب يا محمد صوب نحوها .. كلا كلا يا بلال فهي في غير مدى الرمية القاتلة ، كما إني لا أريد أن أخطئها ويحدث ما يحدث بعدها .. اقتربت أكثر من ذي قبل ، عندها حمل محمد قاذفته فوق كتفه واخذ يتمتم بآيات قصار تحاكي تلك اللحظة وتباركها معا ، صوب محمد نحو هدفه بعد أن ثبت سلاحه جيدا مرددا بصوت منخفض يارب لك وحدك رميتي فسددها ، وبلال بجانبه يؤمن ، عندها انفجر الصمت وودع محمد صاروخ زفافه نحو آلية العدو ، وما هي إلا برهة من الزمن حتى احتضن بلال محمد مقبلا ومكبرا لقد أصبتها وهاهي كرة من اللهب والانفجارات تكحل سماء الحي ، وفي هذه الأثناء فتحت أبواب الجحيم على العدو حيث الإخوة الذين أتموا المرحلة الأخرى من الخطة المتفق عليها حيث دارت الاشتباكات بين الأزقة طلقة بطلقة .. ووجها لوجه ، حتى ما عاد يسمع في أرجاء المكان سوى أزيز الرصاص تباركها دعوات الأمهات المتسللة من نوافذ بيوت الحي .
ترك محمد بلال وافترقا لمتطلبات اللحظة الآنية ولحسابات دقيقة ، فأبدل محمد قاذفته الصاروخية بسلاح رشاش لتدور معركة هو ربانها من أروع ما خاض الرجال ، حتى أثخنوا بجنود العدو واضطروهم إلى الانسحاب وهم يحمون قتلاهم والنجاة بمن تبقى على قيد الحياة .. في تلك الأثناء أطلق محمد بضع طلقات مضيئة في السماء إيذانا بالانسحاب وعبر المسالك المحددة مسبقا .
طرق محمد الباب طرقة واحدة ليجد أمه وقد أعياها طول الانتظار خلف الباب .. ما الذي جرى وأين كنت للان لقد اشتعلت الدنيا خارجا ياولدي .. نعم يا أمي لقد اشتبك مجاهدوا الحي مع جنود الاحتلال وبالكاد استطعت الوصول ، فالطرق كانت مغلقة مما اضطرني إلى الانتظار ريثما تسوى الأمور وينسحب الأخوة جميعا!!.
الاخوة ! أي أخوة يا محمد . ؟
ماذا .. أنا قلت أخوة يا أمي .. نعم قلت أخوة .. آه نعم يا أمي أو ليس جميع أهل الحي إخوة في الدين .. صدقت ياولدي .. ولكن أين الخبز هل جلبته معك .. أكيد يا أمي وهل خرجت لغير ذلك ، فدس محمد يده بين طيات ملابسه واخرج لها خبزا طازجا نديا من فرن اللقاء الحار .. ساعتها رفع آذان العشاء ليرتل محمد بآيات من سورة الرحمن ، وهو كمن يحلق بلا جناحين في عذوبة اللحظات التي طويت قبل قليل ، وبنكهة خبز الفران ودقيقه الأبيض .. وليلة ولا كل الليالي.