كلمة في دروب الحياة   عدد القراء : 1489   .

(أيها الأخ عدي نم قرير العين فقد وفيت بعهدك وبالدم وثقته ان شاء الله ). وأنت تمر في دروب الحياة ألق بكلمتك ثم أرحل سعيداً وراضياً. فكلمتك تلك ستكون بيرقاً لك بين البيارق أو بوابة بين الأبواب تدل عليك أو عهداً ألزمت به نفسك أمام الله والناس والتاريخ. وأنت تمر في دروب الحياة ألق بكلمتك ثم أرحل سعيداً وراضياً. ولا تمر بها صامتاً وكأنك لم تمر بها يوماً.
فان من الصمت ماهو نكوص واندثار وان كان الكثير منه أرتقاءً للحكمة، للجلال، والرهبة.
كنت أقف الى جواره تحت بوابة مسجد الشهيد أحمد جميل مكلفين بمراقبة وحراسة المسجد والمصلين فيه من شرور الأشرار، من شرور بعض من يتربصون به الدوائر ويحادون به الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).
وكان قاطع مسؤوليتنا واجهة المسجد الأمامية بعد أن تكفل زميلانا حسين أبو أحمد وعلي أبو هاجر بحراسة المسجد من جوانبه الأخرى.
وكان أزدحام المصلين على أشده. وكانت واجهة المسجد الأمامية غاصة بسياراتهم غصاً. فالصلاة صلاة جمعة واليوم عيد من أعياد المسلمين، وعباد الرحمن إنما يلبون نداءه في السعي الى بيوته لحضور خطبة الجمعة وأداء الصلاة جماعة فيه،وكان عدي يحمل بندقيته شاداً عليها ومهيئاً لها لأي طارئ قد يصيب المسجد والمصلين فيه بأذى ما.
وكان في حركة دائبة أمام المسجد جيئةً وذهاباً، وكنت أنا الاخر أحمل بندقيتي تحت بوابة المسجد شاداً عليها ومهيئا لها ولكن بنشاط من هو في خمسينه، وبهذا (مسمار البلاتين ) يشد ساقي اليسرى ويكاد يشلها خدراً وتعباً وارهاقاً، وليس بنشاطه هو أو بنشاط ذلك الجندي الذي كنته يوماً في عشريني أو في ثلاثيني. وكانت أحاديثنا سريعة وموجزة ومركزة ومعبرة بل كانت أكثر تركيزاً وتعبيراً من كل تلك الكلمات الرخوة والتي طالما تبادلناها في ساعات تراخينا وكسلنا.
قال لي ثم مر سريعاً في حركته الدائبة متوجهاً الى ركن المسجد الأيسر لتفقده ومراقبته معقباً على موضوعه كنا قد تداولناها في بدايات أحاديثنا المقطعة تلك: أبو أكرم بيننا وبين هذا الدين (اللوزة). وأمتدت أصابعه تلمس حنجرته وتشير لها وتحفزها وتثبتها قتيلة أو مذبوحة في ركاب عباد الله، في ركاب تلك الأمة الزاحفة من فجر الانسانية وحتى ساعة يرث الله الأرض وما فيها.
كان عهداً وثقه بالدم وتعهد به في الله والناس والتاريخ والأمة.
ماأكثر الكلمات التي مررنا بها في سنوات عمرنا الطويل ثم ما ان غادرناها قليلاً حتى تطايرت مع أول هبة ريح عليها، لكن كلمة أو أكثر قليلاً ستكون انت وانت هي، ستكون هي وثيقتك وعهدك وشارتك في الله والناس والتاريخ.
طيلة تلك الأيام الأخيرة من عمره، وما كانت سوى أياماً رمعدودة بعد كلمته تلك.
ظل رنين كلمة عدي يقرع ذاكرتي (أي عهد موثق بالدم يريد هذا الفتى أن يعاهد به ربه ) . (أي عهد موثق بالدم يريد هذا الفتى أن يزف به الى جنان ربه الواسعة).
كنت أحاور نفسي وأتقلب وأياها في تيارات الأفكار وتداعياتها وأنا أصغي لرنين كلمة عدي تلك في ذاكرتي، في هواجسي، وفي قلبي أيضاً في ليلة سوداء في ظن ووهم أولئك الحمقى، أولئك سياط الشر واللؤم والأحقاد، أولئك أرضة الأرض والانسان والتاريخ، أولئك أرضة الأمة طيلة عمرها المديد.. في ليلة سوداء وماهي كذلك في حكمة الله في خلقه، وماهي كذلك في تجارة الله سبحانه مع عباده، امتدت يد الغدر والخيانة واللؤم وأحقاد التاريخ لعدي عبدالحميد فأرته قتيلاً بعد صلاة العشاء... في تلك الليلة رفعنا أكف الضراعة الى رب العزة أن يتقبل عدياً شهيداً في جناته، ويتجاوز عنه، ويسكنه فسيح جناته.. في تلك الليلة رفعنا أكفنا الى رب العزة أن يذيق قتلته ماهو أشد وأنكى من فعلتهم تلك ويكون مأواهم قاع جهنم وانالله وانا اليه راجعون.