الخيارات الأمريكية في العراق   عدد القراء : 842   . كما توقع الكثير فقد فاز الديمقراطيون في الانتخابات النصفية الأمريكية ، بل كما توقع الجمهوريون ذاتهم بهزيمة أمام خصومهم الديمقراطيين ، والسبب هو الإخفاق في العراق كما اعترف بوش ، وكما جاء على لسان وزير دفاعه (رامسفيلد) الذي وجد نفسه مجبرا على الاستقالة ، وكان الديمقراطيون قد وعدوا ناخبيهم –
-وما أكذبهم –- أن يوجدوا حلا للقضية العراقية ، فماذا سيصنع هؤلاء من أجل الحل وما هي الخيارات المطروحة أمامهم؟
 لا يكاد الحل أن يتعدى ثلاثة خيارات ، أولها الحل العسكري وثانيها تقسيم العراق وأخيرها المفاوضات ، فأي من هذه الخيارات هي الأصلح والتي ستخرج أمريكا من المأزق الذي وضعها فيه بوش ، وقبل أن نعدد هذه الخيارات وفرص نجاحها وإخفاقها لابد أن نذكر القارئ بأن حرص الديمقراطيين على إيجاد الحل لا ينطلق من منطلق إصلاح الفاسد ولا بكاء على الدماء العراقية التي تراق كل يوم ، بل غايته أولا وأخيرا كسب ثقة الناخب الأمريكي للوصول إلى كرسي الرئاسة ، وإذا علمنا أن انتخابات الرئاسة الأمريكية ستجري بعد عامين فهذا يعني أن الحل سيكون خلال هذه المدة ، ومثلما نتوقع أنه لن يتم تأجيل الحل إلى ما بعد الانتخابات فإننا كذلك نتوقع أن لا تتم قبل ذلك بفترة طويلة ، فقد تعود الساسة الأمريكان أن تكون الساعات الأخيرة في جولة الدعاية الانتخابية هي ساعات الفصل للقضايا العالقة ، مثلما فعل بوش حين وقت النطق بقرار إعدام رئيس النظام السابق قبل يومين من الانتخابات النصفية لكن رهانه كانت خاسرة - كعادته في أغلب سياساته.
وإذا رجعنا إلى الخيارات الثلاثة فإن أولها الحل العسكري يعني زيادة القوات الأمريكية في العراق ، ثم شن حملة عسكرية كبيرة في أرجاء العراق ولاسيما المحافظات التي تحتضن المقاومة ، ولكن فرص نجاح هذا الخيار تكاد تكون معدومة ، وربما كانت لتنجح لو جرت في أول أيام الاحتلال مع انطلاقة المقاومة الأولى قبل توسعها وتنظيمها ، أما اليوم فلن يجني هذا الخيار إلا مزيدا من القتل والدمار للمدن العراقية فضلا عن زيادة قتلى الجنود الأمريكان ، ثم مهما نجحت الحملة عسكريا واستطاعت السيطرة على المدن فإنها لن تتمكن من السيطرة على كل بيت وفرد ، والفلوجة المحاصرة منذ عامين خير دليل إذ لا يمر يوم إلا وينقض ثلة من أبناء المقاومة على الأمريكان فيوقعون بين صفوفهم العديد من الإصابات ، ومما لاشك فيه أن المقاومة لا تنتهي في مدينة ما إلا باعتقال جميع من فيها أو اقتناعهم بترك السلاح ، وإلا فالمقاومة كالحفرة كلما أخذت منها توسعت.
وربما مما يتعلق بهذا الخيار ما سربته الإدارة الأمريكية إلى الإعلام من طرحها لخيار الانقلاب العسكري في العراق ، فمنذ سنة شغلت الإدارة الأمريكية بعض الناس بهذا السيناريو ، وقد كان مقصدها من هذا التسريب إشغال بعض الساسة العراقيين من جهة واعتقادها أنها قد تضعف المقاومة العراقية ، ولكن الإدارة الأمريكية الجديدة قد تلجأ إليه إذا نصحها عميل مقرب ، وأقول بتواضع أن هذا الخيار سينجح في تحجيم الدور الإيراني والميليشيات التابعة له ، لكن أن يكون وحده كفيلا بالقضاء على المقاومة وإنهاء ( التمرد العسكري ) فهذا مستبعد ، فالناس قد حملوا السلاح واعتادوا عليه وتمكنوا من كسر حاجز الخوف ، والعلة من وراء حملهم السلاح إن بقيت (الاحتلال) فليس من السهولة أن يجنحوا إلى السلم.
أما الخيار الثاني وهو تقسيم العراق فهو مطروح وبقوة ، والكثير من الديمقراطيين يؤمنون به كحل أمثل لإنهاء الأزمة ، فمن وجهة نظرهم أن التقسيم سيضعف العراق أولا كقوة في المنطقة فإذا ما انسحب الأمريكان منه فلن يشكل أي خطر على مصالحهم في المنطقة ، وثانيا ستكون السيطرة على أقاليم العراق من قبل حكومات ولاؤها للمحتل أو هي ممن التي ارتضت السير في ركب السياسة الأمريكية ، ثالثا سيؤدي التقسيم إلى إنهاء المقاومة ولاسيما بعد سيطرة حكومة سنية قوية على المحافظات السنية.
وابتداء أتساءل هل أمريكا بهذا الغباء حين تثق مرة أخرى بعملاء لم تجن من نصائحهم إلا الخيبة والخسران ، هذا التوقع المرجو من وراء هذا الحل هو أبعد ما يكون عن الواقع ، فإذا كانوا يتوقعون إضعاف العراق كدولة فنعم لكن سيكون العراق مصدر توزيع للمشاكل في كل المنطقة.
هذا ولن يكون للتقسيم أي أثر على استقرار الوضع في العراق ، فالحكومات التي ستوضع على رأس كل دولة من أقاليمه لن تتمكن من السيطرة ، فالسياسيون في الإقليم الجنوبي ولاؤهم لإيران قبل أمريكا بل قبل أنفسهم ، والمرجح قيام صراع شديد بينهم على تقاسم الثروات والسلطة هناك ، فشيعة الجنوب تيارات متعددة تختلف في كل شيء ولا تتفق إلا في الانتماء المذهبي ، أما القسم الشمالي فسيكون للأكراد والسيطرة فيه محسومة لحزبي الطالباني والبرزاني ، لكن من يقول أن هؤلاء متفقون جملة وتفصيلا ، نعم ربما استطاعوا التعتيم على الصراع الذي يجري بينهم وتمكنوا من السيطرة عليه مؤقتا ، لكن إلى متى سيستمرون في ذلك ، وإلى متى سيسكت الشارع الكردي على دكتاتوريتهم ، وكيف سيكون موقف هذه الدولة وتحيط بها من كل جانب دول لها مشاكل مع الأكراد ، أما إقليم الوسط (العرب السنة) فمن دون الحل السياسي لا يوجد أي مرشح لقيادته غير الحزب الإسلامي ومن تحالف معه ، والواقع يقول أن شعبية هؤلاء قد انخفضت جدا بعد أن ورطوا أنفسهم في حكومة طائفية ضعيفة ، وبعد اعترافهم بفشلهم بتحقيق أدنى شيء مما وعدوا به الناخبين السنة.
أما الحل الدبلوماسي وهو الخيار الثالث فلن ينجح إلا إذا عرفت أمريكا مع من تتفاوض ، ينصحها البعض أن تحسن علاقاتها مع إيران وسوريا ، نعم لهما دور – ولاسيما إيران – في إثارة العنف الطائفي ، لكن هل لهما السلطة على نزع فتيل الأزمة كلها ، إن التخبط الأمريكي في العراق زاد الأمر سوءا ولم يخفف من وتيرته ، فمرة حاولت مغازلة إيران ثم لوحت للبعثيين السابقين برد حقوقهم وثالثة توددت إلى بعض السياسيين من العرب السنة ، وهي في كل ذلك جعلت البعض يطمع ويرفع سعر مطالبه وآخرين لم ينخدعوا بما تقدم لأنهم جميعا جربوا كذبها وزيف وعودها.
لابد للحل الدبلوماسي أن يتم مع جميع الأطراف وكل بحسب حجمه في الساحة أولا وثانيا بحسب منطقة نفوذه ، وحتى تتمكن الإدارة الأمريكية من إقناع المقاومة العراقية لابد أن تقدم لهم شيئا من مطالبهم المشروعة ، وهي تتلخص بإلغاء جميع إجراءات الاحتلال وجدولة لانسحابهم تتزامن مع قوات دولية بديلة ، وبإمكان جيش عراقي يبنى على أسس وطنية أن تكون له السيطرة إذا ما تم الاعتماد على قادة من الجيش السابق ، ومع منع النفوذ الإيراني تتقلص نشاطات الميليشيات ، مقابل ذلك ستقبل فصائل المقاومة بترك السلاح والانخراط في الجيش الجديد.
إن استبعاد أي طرف من فصائل المقاومة العراقية سيكون له أثر سلبي على المفاوضات بشكل عام ، ومخطئة أمريكا إن هي راهنت على استمالة بعض على حساب آخرين ، فلقد أثبتت المقاومة العراقية – رغم اختلاف مشاربهم الفكرية - أنها على قلب واحد في مواجهة الاحتلال ، فلأنها صاحبة مبدأ عقائدي فهي ليست ممن تغرر بالمكاسب السياسية ، ولا يتوقع منها أن تغدر برفاق السلاح طمعا بمصالح مادية.
وختاما أقول بأن أمريكا رغم أنها قد وعت مأزقها في العراق ، لكن هل تعلمت الدرس من جميع جوانبه ؟ وهل ستميل إلى الحق بعد أن حادت عنه طويلا ؟ شخصيا أشك في ذلك ، ولمن استبشر أملا في انتصار الديمقراطيين أقول إن مدرسة الاستكبار الأمريكي تجمعهم مع سابقيهم وسياسة التخبط وسيلتهم جميعا ، وصدق المثل العراقي (هذا الطين من هذا العجين).