| بائع الزلابية   عدد القراء : 1515   . أبو عبدالله الراوي عندما كنت راجعا الى داري وقد اصابني من الارهاق والتعب الشيء الكثير مررت وعلى عادتي ببائع الزلابية!!. وانتم تعرفون هذا الشخص يبلغ الثمانين من عمره ثيابه نظيفة ومرتبة ويعتم(بالجراوية البغدادية) ملامحه بسيطة. عينان هادئتان وحركات هادئة وغير معتادة لمن يمتهن مهنة المشهورين بالضجيج والحركة لترويج بضاعتهم وبالرغم من مروري اليومي عليه منذ سنة لم ار احدا يساعده وهو واقف يبيع الحلويات خلف عربته النظيفة المغلفة بالزجاج والمليئة بالزلابية والبقلاوة وبأشارة عرفها مني يوميا وضع لي كيلواً منها وسلمها لي. - تفضل دكتور اراك متعبا. - طبعا فالعمل مرهق فانا وقفت هذا اليوم خمس ساعات يا عم نعمان. فتح فمه ليقول كلمة ولكنه سكت واستلم مني ثمن الحلويات ولا اريد ان اقول لكم انه يبيع بنصف سعر الاخرين. وضعت الحلوى في المقعد الخلفي ثم ادرت السيارة لكنها لم تدر، وحاولت عدة مرات فاضطررت الى النزول من السيارة ونظرت الى العم نعمان ففهم نظرتي فساعدني لركن السيارة الى جانب الطريق وعاد الى مكانه بوقار وانهمك بخدمة احد الزبائن. الحقيقة اني اصبت بخيبة امل من سيارتي وظهر ذلك على وجهي مباشرة اضافة الى الامتعاض والتعب الذي انا فيه، فتنهدت مع حسرة مكتومة كان يراقبها بطرف عينه الهادئة وتمنيت لو تكلم، اي كلام، ولكنه لم يفعل مما اثار فضولي وقررت ان اتكلم معه لامرر اطول وقت لعل حرارة السيارة تنخفض وتعمل مرة اخرى. - حرارة السيارة عالية بالرغم من برودة الجو يا عم نعمان. استدار الي وقال: - هكذا الحال. - ماذا تعني ؟ - كما فهمت. قلت له وكأني طفل يسأل اباه: - ارجوك ان تخبرني فانا اريد ان اعرف الحال. - اراك في احسن حال وارى وجهك قد زال عنه التعب. - اكرر يا عم نعمان ماذا تعني (بهكذا الحال). - يا بني الا ترى ان احوال البلد ملتهبة بالرغم من البرد , لان محرك سيارتك فيه خلل واحوال البلد كذلك. - اريد ان اسألك وبالله عليك ان تجيبني بصراحة فانت هنا يوميا من الصباح الى المساء ولم ار معك احداً ولم ار منك مللا أو ضجراً. - يا بني التعب والاجهاد امر نفسي لا جسدي , فان كان عملك لامر سام فأنك لن تحس بالتعب ابدا. سكت ولم يتكلم اكثر وخجلت ان اسأله او الح عليه، فالقيت نفسي على مقعد السيارة والتي لم الاحظ انها دارت من اول محاولة ولم اتذكر عطلها الا بعد ان سرت مسافة فقد كان جل فكري مع العم نعمان الهادئ القليل الكلام. في اليوم التالي وعلى عادتي توقفت في المكان نفسه لكني صعقت فالعم نعمان وعربة الحلويات غير موجودين، نزلت مسرعا ودخلت المقهى القريب وجلست على احدى الارائك وكأني شيئا يكتم انفاسي وكاني قد فقدت عزيزا، استدرت الى رجل جالس الى جنبي. - اين العم نعمان بائع الحلويات؟ - من اين تعرفه ؟ - من شراء الزلابية. - يا بني ان نعمان صديقي وهو يمتلك كل هذه العمارات التي تراها وهو اغنى رجل في الاعظمية. - اذا لماذا يبيع الزلابية؟ - انت لا تعرف قصته؟؟!! ساقصها عليك، فعندما دخلت القوات الامريكية الى الاعظمية احس اهلها بالمهانة العظيمة بدخول جنود اجانب اليها , فدافعوا عنها دفاعا شديدا وقتل منهم الكثير. - لماذا يقاتلون قوات لم يستطع جيش كبير الوقوف امامها؟ - القضية قضية كرامة لا قضية قوة فالكريم يموت في سبيل كرامته والوضيع يقبل بالعيش حتى ولو عبدا ذليلا وقد استشهد ثلاثة من اولاده في المعركة وقام بدفنهم بنفسه، وبعدها اصبح شيئا اخر، فباع كل العمارات ولم يترك سوى دارين مع مجموعة محال لعشرة احفاد وصرف المال على المجاهدين الذين بدأوا بالظهور في المنطقة ومنهم اثنان من اولاده وهما لا زالا مع المجاهدين ولم يعد يراهما. - اذاً لماذا يبيع الحلويات وهو بهذا الغنى الفاحش؟ - انه يريد ان يبقي عينه على مسجد الامام أبي حنيفة فهو يقول لنا : لقد ذهبت كرامتنا عندما دخلوا المسجد وكان لا يرفع عينه عنه ويعتبرها متعته وقالها مرات عديدة : اني احس بالتعب فقط عند مفارقة هذا المسجد واظنه كان يخفي شيئا اخر. - اذا لماذا هو غير موجود الان؟ - هذا يدل على انك لا تعرف ما حدث البارحة مساء لقد كانت هناك مجموعة كبيرة من الجنود الامريكان يهمون الصعود في سيارتهم فاندفع نحوهم بعربة الحلويات وصاح بصوت عال جدا: الله اكبر واذا بالعربة تنفجر في وسطهم وتقتلهم جميعا، ونحسبه عند الله شهيدا. |