الأسرة في القرآن.. محاولة للفهم   عدد القراء : 1428   .

 يقوم المجتمع الإنساني على بنيتين أساسيتين: الأولى هي الأسرة، والثانية هي الأمة، وقد جعل الله هدف النشاط الإنساني في الحياة تحقيق (السكينة الاجتماعية) في هاتين المؤسستين. ففي السكينة الأسرية يقول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21).
وفي سكينة الأمة يقول الله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة: 248).
أي أن آية الملك الصالح هي تعظيم الحفاظ على السكينة وعلى القيم الخالدة التي جاءت وحيًا (بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة)، والتابوت يمثل أدوات هذا الحفظ من مناهج وبرامج وخطط في السياسية والاقتصاد والاجتماع.
والقرآن يستخدم كلمة (السكينة) بمعنى السلام الداخلي الديناميكي، وفي سورة الفتح يقول المولى عز وجل: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الفتح: 26).
السكينة في مقابل الحمية الجاهلية
فالسكينة الاجتماعية هي الضد للحمية الجاهلية التي تجعل الناس أحزابًا وشيعا يتقاتلون على المتاع الزائل في هذه الحياة الدنيا، وهذه الحمية الجاهلية هي العنوان الواضح لفساد الحكم.
أما السكينة الأسرية التي جعلها الله هدفا للنشاط الإنساني داخلها فهي سكينة تقوم أيضًا على الحفاظ على القيم الخالدة التي جاءتنا وحيا، وليست سكينة تقوم على التراضي المؤقت على قيم غير ربانية. وفي الآية الكريمة كلمتان حاكمتان: الخلق والجعل، فشاءت إرادة الله أن يخلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها، أي نحقق سويًّا السكينة التي يأمرنا الله بجعلها هدفا لكل نشاطنا الإنساني، ثم علمنا المولى أن الطريق لتحقيق هذه السكينة يتمثل في أمرين، هما: المودة والرحمة في التعاملات بين الزوجين. فالجعل في هذه الآية هو مشيئة إلهية أو قل هو سنة من سنن الله تعالى.
إن الطريق إلى السكينة يحتاج إلى عمل إنساني في اتجاهين: المودة والرحمة، فالجعل في هذه الآية هو مشيئة إلهية وعمل إنساني، والتواد هو أن أجعل نشاطي مع الآخر محاطا بالحب القاصد وجه الله، حتى في أخص العلاقات بين الزوجين، حيث يتوجهون بها إلى مرضاة الله تعالى، فيثيبهم عليها سكينة وأمنا (وإن في بُضع أحدكم لصدقة..)، والتواد في حدود القدرة، وقد يكون أحد الزوجين أقدر من الآخر، وهنا تدخل الرحمة؛ فالأمر ليس توادًّا فحسب، وإنما يرحم أحدنا الآخر فيما لم يقدر عليه.
وتأكيدا لهذه المعاني انظر إلى قول الله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى....) (الأحزاب: 33)، ولقد رأى فيها البعض معنى: الْزمْنَ البيوت؛ فلا تخرجن منها لغير حاجة مشروعة، ولكن لفظة (قَرْن) و(قِرْن) كلاهما من القرار، وهو السكون الجميل أو السكينة، ومنه أيضًا (وَقَرِّي عَيْنًا): أَمْرٌ من قرَّت عينه تقِرُّ بالكسر والفتح قُرَّة وقَرَّة وقُرورا إذا رأت ما كانت متشوقة إليه، مأخوذة من القرار بمعنى الاستقرار أي السكون الجميل والسكينة. فإن كان هذا الاستقرار وهذه السكينة تستلزم البقاء في البيت فلا مانع، ولكن الآية أشمل من ذلك، والهدف واضح وهو تحقيق السكينة في الخلية الأساسية في جسد الاجتماع الإنساني: الأسرة.
قوى التماسك في الأسرة
وكما يحدث في الذرة والجزيئات التي تكون أي مادة والتي تحتاج إلى قوى تماسك تمسك بالذرة وبالجزيء؛ فإن الأسرة (النواة الاجتماعية) تحتاج إلى قوى تماسك حتى تستقر في مدارها الاجتماعي، وأحسب أن أهم قوتين هما: الحاجة الإنسانية للحب والجنس والشوق إلى الذرية (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14).
ولتحقيق القوة الناتجة عن الحاجة للحب والجنس ينبغي أن تكون للرجل هيمنة وفحولة، وأن تكون للمرأة رقة وخضوع؛ فالفحولة والهيمنة في جانب الرجل، والرقة والخضوع في جانب المرأة يولدان قوة الجاذبية المطلوبة للاستقرار والسكينة؛ ولذلك أمر الله نساء المؤمنين ألا يخضعن بالقول لغير أزواجهن حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، أي أن هذا التوزيع للقوة والضعف ليس تقسيمًا عشوائيًّا، وإنما هو تقسيم لتحقيق غاية واضحة ألا وهي توليد إحدى القوى التي تمسك بالأسرة مستقرة آمنة.
وكذلك أودع الله في النفس الإنسانية الشوق إلى الذرية؛ ولأن المرأة تضطلع في هذا الأمر بالجهد الأوفى (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)؛ فإنها في حمله ورضاعته وفطامه تحتاج إلى كل ما حباها الله به من رقة وضعف، وهو ضعف جميل، يتفطر قلبها أمام آلامه؛ فتسعى إليه راعية وحامية وحاضنة في رفق رفيق وحب عميق؛ ولذلك فإن خضوعها وضعفها يساعدان على نمو القوتين (الحب والجنس والشوق إلى الذرية) ولعل هذا هو معنى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ...) (النساء:34).
القوامة والفضل
قوامة الرجال على النساء فيها فضل للرجال على النساء وفيها فضل للنساء على الرجال، والفضلان من عند الله؛ فقوة الرجل وفحولته فضل الله للرجال على النساء، ورقة المرأة وضعفها فضل من الله للنساء على الرجال.
ولأن رقة المرأة وضعفها الجميل من مطالب رسالتها في الأسرة، فإن عملها خارج نطاق الأسرة ينبغي ألا يفسد عليها هذه الطبيعة، ويجعلها تعيش في ازدواجية تنغص حياتها؛ فهي في موقع خشنة مهيمنة، وفي موقع آخر رقيقة ضعيفة.
ونحن نعرف أن هناك تأثيرا متبادلا بين طبائع الأعمال وطبائع الناس؛ فهناك طبائع تكتسب من طريقة الأعمال، كما أن طبائع الأعمال تحتاج إلى طبائع في الناس.. كل عمل بطبيعته -أو بتعبير ابنة شعيب- يحتاج إلى قوة وأمانة، والقوة هنا عامة؛ فقد تكون القوة المطلوبة هي الضعف الجميل -كما قلنا من قبل-، وكما يقول الفقهاء كل ولاية تحتاج إلى نوع من القوة بحسبها، وكذلك إلى الأمانة، مستشهدين بقولة ابنة شعيب.ولذلك فتقسيم الأعمال بين الرجل والمرأة ينبغي أن يحافظ على قوى التماسك بينهما، والأمر كله يحتاج إلى دراسات دائبة في ظل أنواع مختلفة من النظم التنموية.