بوش وبلير.. والهروب الكبير من العراق   عدد القراء : 815   . في ظل حالة التردي المتصاعدة التي تعاني منها قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية في العراق يومًا بعد يوم، ووسط اشتداد هجمات المقاومة العراقية بشكل غير مسبوق ضد قوات الاحتلال في كافة أنحاء العراق، كتب محرر صحيفة الإندبندنت البريطانية ربوبرت كورنويل مقالاً يتحدث فيه عن حقيقة أن جورج بوش وتوني بلير باتا زعيمين يبحثان عن مخرج من العراق، ولكنهما يفشلان في التوصل إلى هذا المخرجوأكد كورنويل في مقاله أن مصداقية بوش وبلير لم يعد لها أي وجود, وأنها قُوّضت بشكل تام, كما أن معاييرهما الأخلاقية أصيبت في مقتل, وحتى شعبية الزعيمين اضطربت بقوة وتمزقت رغم محاولاتهما المستمرة للدفاع عن قرار غزو العراق واحتلاله بالقوة العسكرية.
واعتبر محرر الصحيفة البريطانية أن وجهي بوش وبلير – في شهر تشرين الاول الذي كان واحدًا من أشد الشهور الدموية على قوات الاحتلال بالعراق - كانا كافيين للتعبير عن حقيقة الوضع المتأزم للغاية، فبينما كان الرئيس الأمريكي يقف في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض ظهرت عليه أمارات الذهول والصدمة والحيرة، وعلى مسافة ثلاثة آلاف ميل منه كان صديقه توني بلير يقف في مجلس العموم البريطاني يتلقى الطعنات التي تؤكد عمق الأزمة التي واجهها عندما وافق على الانضمام لبوش في غزو العراق، وكان الرجلان يبحثان عن أي مخرج ولا يجدان.
وأشار كورنويل إلى أن الأسبوع الأخير من شهر تشرين الاول عام 2006 ربما كان الأكثر تعبيرًا عن حالة اليأس والإحباط التي خيمت على بوش وبلير باعتبار أن كوارث عديدة حلّت على رأسيهما فيما يتعلق بالأوضاع في العراق, وربما بصورة لم تحدث مطلقًا منذ وقع الغزو في آذار عام 2003، حيث أصبح من المستحيل إنكار حجم الهوة العميقة بين تطلعات الزعيمين للأوضاع في العراق والواقع الذي فرض نفسه على الأرض.
ويقول محرر(الإندبندنت):لقد اكتسبت الأحداث زخمًا فظيعًا الآن في العراق، حيث إنه وخلال  شهر تشرين الاول من عام 2006 تمكّن المسلحون في العراق من قتل أكثر من ألف، فضلاً عما يزيد عن 1.3 مليون عراقي باتوا في عداد اللاجئين المشردين، وذلك مع وصول الجيشين الأمريكي والبريطاني في العراق إلى حافة الانهيار، وفيما يتعلق بتكلفة الحرب فقد وصلت بالنسبة للولايات المتحدة وحدها إلى ما يزيد عن 300 مليار دولار، هذا كله بالإضافة إلى انهيار الصورة الأخلاقية لأمريكا وبريطانيا أمام العالم بأكمله وبصورة رهيبة.
ويضيف كورنويل:إنه لم يعد من المعتاد في التاريخ الحديث أبدًا أن يكون هناك حل لمشكلة ما ثم يباغت العالم بأن هذا الحل نجمت عنه مشكلات أشد خطورة وأفدح بمراحل، لاسيما وأن المشكلة الأولى التي كان بوش وبلير يتحدثان عنها وهي وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق اتضح أنها مجرد أكذوبة، ولقد كانت مفارقة عجيبة أن يشهد هذا الشهر تصريحًا يعبر عن الوضع الكارثي في العراق على لسان هانز بليكس كبير مفتشي الأسلحة السابق التابع للأمم المتحدة, والذي تجاهلته واشنطن ولندن بالكلية في اندفاعهما نحو غزو العراق، حيث أكد بليكس أن الفشل في العراق ذريع، وأخبر صحيفة بوليتيكين الدانماركية أنه لو انسحب الأمريكيون فسيتركون العراق بين براثن الحرب الأهلية، وذلك على الرغم من أن بقاءهم في العراق لا يساعد مطلقًا في تهدئة الأوضاع.
وأردف محرر الصحيفة البريطانية في مقاله:إن الضغوط على بوش وبلير هائلة الآن، وأصبح قرارهما بغزو العراق مرتبطًا تمامًا بإراقة الدماء واسعة النطاق وحالة الفوضى العارمة, ما قوّض مصداقية الزعيمين وأطاح بشعبيتهما، ولا أدل على ذلك من استطلاع الرأي الأخير الذي أكد أن واحدًا فقط من كل خمسة أمريكيين يعتقد أن أمريكا بإمكانها تحقيق النصر في العراق، مقارنة باستطلاع مشابه جرى في كانون الأول الماضي وأظهر أن اثنين من كل ثلاثة أمريكيين يعارضون حرب العراق.
ويقول كورنويل: وأما في بريطانيا فإن مستوى الشكوك بشأن مستقبل الأوضاع في العراق يبدو أكثر خطورة, لاسيما وأن بلير من المنتظر أن يواجه قريبًا أول استجواب برلماني شامل في مجلس العموم بشأن قضية العراق في غضون العامين المنصرمين، وبالنسبة لبوش فإن أزمته المتفاقمة في العراق تتجاوز في خطورتها وعمقها مجرد تعرضه لمناوشات سياسية أو ضغوط داخلية لأنها ترتبط بخسائر دامية في أرواح جنوده تزداد بشكل عنيف يومًا بعد يوم, لاسيما وأن التقديرات تشير إلى أن شهر تشرين الاول وحده شهد مقتل ما يزيد عن100 جندي أمريكي, وهي النسبة الأكبر منذ شهر كانون الثاني عام 2005، وعليه فإن الحزب الجمهوري يستعد لتلقي صفعة عنيفة خلال انتخابات الكونغرس التي تأتي في منتصف الولاية الثانية للرئيس الأمريكي وشبح الهزيمة الأكيدة يلوح أمام الديمقراطيين الذين ينوون التركيز على فداحة الوضع في العراق كورقة ضغط في الانتخابات.