الابتلاء والمحن   عدد القراء : 2222   .

قال الله تعالى:(أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لايفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) قد يكثر أدعياء الأيمان ليس مجرد دعوى، انما هو اقرار بالجنان، ونطق باللسان وعمل بالأركان، وقال الله تعالى :(لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور) وما أريد ذكره هنا أن مصدر الاشاعات الكاذبة التي تريد أن تشوه صورة المسلمين وتطعن في دينهم، وتسيء الى رسولهم محمد (صلى الله عليه وسلم) بالقدح والذم، والشتم والطعن، والاتهام بالتهم الباطلة في القديم والحديث هم اليهود والنصارى والمشركون وما دخل تحت ظلهم وتحالف معهم.
تأمل قوله تعالى:(ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً) ولو استعرضنا الطعون والشبهات التي تثار ضد الاسلام والمسلمين في القديم والحديث لوجدنا ان مصدرها اليهود والنصارى والمشركون.
فالهجمة التبشيريةالماكرة على بلاد المسلمين والهجمة الاستشراقية الخبيثة التي يتعرض لها المسلمون في بلادهم وخارجها، وما واكبها من غزو فكري وعقائدي ثم بعد ذلك احتلال عسكري للعراق كابتداء لاحتلال المنطقة. فكل هذا لا يبعد ان يكون وراءها نصراني صليبي حاقد أويهودي حاسد أو مجوسي مشرك. ولو استقرأنا النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قولية كانت أو فعلية، وما جرى للرسل الكرام (عليهم الصلاة والسلام)، واتباعهم في حياتهم ومن بعدهم، وصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتابعين نجد ان هناك نوعين من الابتلاءات والمحن هما:
الاول: الابتلاء الفردي.
الثاني: الابتلاء الجماعي.
الابتلاء الفردي:
ونعني به هنا ان هذا الابتلاء من الله وحده دون ان يكون اثراً للصراع بين اولياء الرحمن واولياء الشيطان.
فقد يبتلي الله سبحانه وتعالى العبد المؤمن بفقد عزيز عليه كأبيه او امه او ولده ليرى مدى صبره ورضاه بقضاء الله سبحانه وتعالى. عن ابي هريرة (رضي الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: يقول الله تبارك وتعالى (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء اذا قبضت صفيه من اهل الدنيا ثم احتسبه الا الجنة) رواه البخاري.
وقد يبتلى المؤمن بفقد جزء من جسمه كذهاب بصره او سمعه او رجله او يده فيصبر على ذلك، فقد روى الامام البخاري (رحمه الله) في صحيحه باسناده عن انس بن مالك (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (ان الله تعالى قال: اذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته الجنة) يعني عينيه.
وقد يبتلي الله العبد الؤمن بمرض عضال، او فتاك فعن عائشة رضي الله عنها انها سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الطاعون فاخبرها انه (ما من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم انه لا يعينه الا ما كتبه الله له، الا كان له مثل اجر الشهيد).
وقد يبتلي الله المؤمن بشيء قد لا تقبل به النفس كذبح الولد او مفارقة الوطن، والاهل والاقارب والامثلة على ذلك منها:
* ابتلاء ايوب (عليه السلام):
تذكر كتب التفسير ان الله تبارك وتعالى قد ابتلى ايوب (عليه السلام) في جسمه وولده وماله وزوجه. فقد انهكته الامراض والاسقام، فلم يعد قادراً على السير وكسب اموره المعيشية وامات الله اولاده وهو حي والوالد بحاجة الى ولده خاصة وهو مريض ولقد عاش سبع سنين مريضاً فقيراً ليس له ولد ولا مال.
لقد صبر ايوب على هذا الابتلاء، صبر على فراق الولد وعلى الفقر وعلى المرض ورضي بقضاء الله فلم يتبرم ولم يضجر او يتضجر بل بقي محافظاً على سمعته في الصلاح والتقوى مستسلماً لارادة الله لا يقول الا ما يرضي الله عز وجل ولقد شهد الله لايوب عليه السلام بالصبر وامتدحه بقوله تعالى: (انا وجدناه صابراً نعم العبد انه اواب).
ثم بعد ذلك كانت ثمرة الصبر قريبة ومنها:
- معاناة ايوب (عليه السلام) من الامراض وكان العلاج من الله تعالى اذ امر ايوب (عليه السلام) والهمه ان يركض برجله الضعيفة واذا بالماء يتفجر من تحت عقبه، وكان هذا الماء دواء وغذاء فشرب منه فكان غذاء واغتسل منه فكان دواء وشفاء قال سبحانه وتعالى: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب).
- عوض الله تبارك وتعالى ايوب عليه السلام عن اولاده الذين ماتوا باكثر منهم إذ أقدره على الانجاب بعد هذا المرض الذي اقعده طويلاً: قال تعالى (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه واهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا).
- لقد اعاد الله له امواله.
- لقد اصلح الله بينه وبين زوجه التي عاشت معه المحنة وقساوتها وضيقها كل هذا حدث بعد النجاح في الابتلاء والصبر على الضراء والتوجه الى الله تعالى وحده فهو الذي يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء.
* إبراهيم (عليه السلام):
لقد رزق الله ابراهيم (عليه السلام) اسماعيل (عليه السلام)على كبر واسكنه مع امه هاجر بوادٍ غير ذي زرع عند البيت الحرام، وكان يتوق الى ولده فيأتي زائراً من الشام الى الحجاز ليبلّ ظمأ شوقه الى ولده البكر الوحيد اسماعيل عليه السلام ولما صار ولده فتى يسعى مع ابيه يساعده ويطمئنه على مستقبل ايامه بالوقوف بجانبه وهي مرحلة كما ترى يتعلق بها الوالد بولده.
في هذه المرحلة بالذات امر الله ابراهيم ان يذبح ولده اسماعيل بكره ووحيده، فهاهو ذا ابراهيم عليه السلام يبتلى في اعز مخلوق لنفسه انه ولده الصالح النقي الذي بلغ معه السعي وجاءه في بلاد الغربة جاءه اجابة لدعاء ربه ليشد ازره ويؤنس قلبه ويزيل وحشته وهذا امر عسير على النفس الانسانية كيف يذبح الرجل ولده المؤدب المحبوب وابراهيم عليه السلام لم يكن قاسي القلب غليظ الطبع منعدم الشفقة والرحمة بل كان على عكس ذلك تماماً كان ذا رحمة ودوداً للناس فكيف لابنه، لكن الامر اكبر من ذلك كله ويتجاوز كل العواطف انه امر الهي لا بد ان ينصاع ابراهيم (عليه السلام) له، فيكون فائزاً في الابتلاء نعم انه الامتحان الخطير انه اخطر ابتلاء في حياة ابراهيم (عليه السلام) على الاطلاق بل هو اخطر امتحان في حياة الانسان على الارض.
لقد توجه ابراهيم (عليه السلام) بعد ان استسلم لامر الله الى ولده يخاطبه (يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى) ويجيب الولد الصالح الذي ادرك رسالته وقيمته في هذه الحياة الدنيا (ياابتي افعل ما تؤمر) انه الادب في التخاطب وتناول الوالد السكين وطرح ولده على الارض والعين تقابل العين وانه سوف يرى دم ابنه يسيل بين يديه ولكن بعد كل هذا الصبر والمصابرة والامتثال لامر الله تعالى ماذا كانت النتيجة:
1- لقد نجى الله ولده من الذبح وحفظه حتى صار رسولا نبياً وصارت له ذرية.
2- لقد كوفئ الوالد الصابر المحتسب فوق ابقاء ولده اسماعيل ان بشره الله بولد آخر هو اسحاق.
3- احياء ذكر ابراهيم في نفوس المؤمنين حتى تقوم الساعة.
4- لقد شهد الله له بالصدق والاخلاص.