إيمان المسلم بالله.. وتأثره بعقيدة فصل الدين عن الحياة   عدد القراء : 1409   .

بعد أن غزَت الحضارةُ الرأسمالية العالَمَ الإسلاميَّ، وتسربت ثقافتُها إلى عقول أبناءِ المسلمين، صار تفكيرُ الكثير منهم كتفكير أولئك، متأثراً بعقيدة (فصل الدينِ عن الحياة)؛ فمع أن العلمانيين يؤمنون بالله، والكثيرُ منهم يعتقدُ بوجود إله، ولكن اعتقادَهم وإيمانهم هذا مبنيٌّ على أن الله فكرةٌ يتصوَّرها الإنسان وليس حقيقةً، ويعدون هذا التصورَ فكرة جميلةً ما دامَ الإنسان يخضعُ لسلطانها، فهو يتخيَّلُها ويعتقد بها، فتقرِّبهُ إلى الخير وتبعده عن الشرِّ بدوافعها.
وهي أشبهُ ما تكون برادعٍ داخلي يظهرُ أثره على تصرُّفات الإنسان في أقواله وأفعاله. ويرَون أن هذه الفكرةَ يجب أن تُشجَّع عند الجمهور حتى يظل خيٍّراً مدفوعاً إلى الاستقرار والأمانِ في المجتمع المدنيِّ وحكومة التكنوقراط. فنشأت نظريةٌ سياسية تبناها كثير من أبناءِ المسلمين مفادُها: إسلاميةُ الأُمَّة وعلمانيَّة الدولةِ.
 إنَّ بعض أبناء المسلمين المتأثرين بالفكرةِ الرأسمالية عن الله، وإيمانِ العلمانيين بالله، يعتقدون: ((أن الله مصطلحٌ قام به سيدنا مُحَمَّد... وكان أكبرَ حملة تاريخية باسمه... وحَّدت الآلهة بالإلهِ الواحد... وأن التيار اللاهوتيَّ الفلسفي عجَزَ عن تحليلِ هذا المصطلح)). مع أنه ضرورة أن يوجد ((اللهُ كتصور لشبهِ الجزيرة العربية)) لما له من مكان ((في عقلية جميع القبائلِ الساميَّة وكهوية أيدلوجية منذ الألفية الثانية قبل الميلاد)) ويرون أنه ((من المفيدِ جداً رؤية (الله) كمصطلحٍ أساسي في جغرافيا الشرقِ الأوسط في جميع الدول الإسلامية عن كثَبٍ)) و((أن مصطلحَ الله هو أحد المؤسَّسات الدينية الاجتماعية الأساسية التي ظهرت ضمنَ هذا الإطارِ، تتطور وتتقوَّى بشكل دائم)) وأن تفكير الناسِ يسيرُ منذ القديم ((باتجاهِ توحيد الإله في المصطلحاتِ الدينية لنمط تفكير أساسي)).
ويرون ((أن التطورَ في المصطلحات ينتهي بنتيجة الإله الواحدِ)) مما يوصل ((إلى صيغةٍ الملك في الأرضِ والله في السماء)).
وعلى الرغم من أن الكثيرَ من هؤلاء المنضبعين بالحضارةِ الرأسماليَّة وثقافتها العلمانية يعتقدون هذه النظرية ويؤمنون بها، ولكنَّهم لا يتجرأون على التصريحِ بها أمامَ عامة الناس، بل حتى أقرب الناسِ إليهم، ويلجأون إلى الخطابِ السياسيِّ بأساليبه غير الواضحة حسبَ مفهومهم للسياسة ((أنَّها فنُّ الخداعِ)). ولكن من الناحية الموضوعيَّة ان الذي أدى بهؤلاء إلى الإلحادِ والرِّدَّةِ عن دينِ الإسلام، وإلى هذا النوعِ من الإيمان بالله: هو أنَّهم لَم يستعملوا العقلَ في الوصولِ إلى الإيمان باللهِ، ولم يهتدوا لحلِّ العقدةِ الكبرى الناشئة من الأسئلة الطبيعيَّة عن الكونِ والإنسان والحياة، وعما قبلَ الحياة الدُّنيا وعما بعدها، وعن علاقتِها بما قبلها وما بعدَها، حلاً عقليّاً. فلما قرأوا الثقافة الرأسمالية وتأثَّرُوا بحضارتها، وبهَرَتهُم بفكرةِ الحريات، وهم خالُون من الثقافةِ الإسلامية، بل يجهلونَها غالباً، تأثروا بالثقافةِ الغربية وأخذوا يفكِّرون بعقلية عقيدة فصلِ الدين عن الحياة. ولما أرادوا العملَ بالمشروعِ الليبرالي الديمقراطي، أخَذوا يُفَلْسِفُونَ رُؤيتَهم في العملِ السياسي، واتَّخذوا موقفاً من الإيمانِ الصحيح بالله، وقَاسُوا عقيدةَ الإسلام على عقيدةِ مسيحية القرون الوسطى، وحلَّلُوا تاريخَ الفكرِ الإسلامي على ضوء الأصُولِ التاريخية للعقيدية الرأسمالية وليس هذا غَريباً بالنسبة لأبناءِ أُوروبا المسيحية، حيث أنَّ كثيراً منهم كان يحاولُ أن يستعملَ عقله، فيجابُ: أن الدِّين فوق العقلِ ويجبَرُ على السُّكوت! فتمرَّدَ على هذه العقلية وأخذَ يُفكر بطريقة التعاملِ مع الواقع الموضوعي لفكرتهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، فاندفعَ يريد لَمْسَ فكرةِ الإله، وأن يلمسَ وُجودَها، فآلَ مصيرُهم إمَّا إلى الإنكار والجحود لوجود إله، أو فَلْسَفَ الفكرةَ وآمن بها على أنَّها صورة خيالية تقرِّبُ المؤمن بها إلى فعل الخيرِ، وأن يكون مستجيباً طائعاً يسهلُ توجيهه إلى المطلوب سياسياً واجتماعياً.
والصوابُ أنَّ اللهَ حقيقةٌ وليس فكرةً، وأن وجوده ملموسٌ محسوس، وإن كانت ذاتهُ يستحيل إدراكها. ألا ترَى أن الإنسان يسمعُ دَوِيَّ طائرةٍ في السماء ولا يرَاها لأنه جالسٌ داخلَ غرفته، ومع ذلك فإنه من حِسِّهِ بصوتِها يدركُ وجودَها ولو لَم يرَها ولم يحسَّ بذاتِها. فهو يعتقدُ بوجودِ طائرة في السَّماء من سماعهِ صوتَها. أي يصدِّقُ جازماً عن يقينٍ بوجود الطائرة. فإدراكُ وجودِ الطائرة غيرُ إدراك ذاتِها. فإدراكُ ذاتِها لم يحصُل لعدمِ الإحساس بذاتِها، وإدراكُ وجودها قطعيٌّ من الإحساسِ بصوتِها. فوجودُ الطائرة حقيقةٌ وليس فكرةً.
 وكذلك هذه الأشياءُ المدرَكة المحسوسة. فإن وجودَها أمرٌ قطعي لأنَّها مشاهَدةٌ محسوسة وكونَها محتاجةٌ لغيرها أمرٌ قطعي، لأنه مشاهَدٌ محسوس. فالأَجْرَامُ السماويَّة محتاجةٌ إلى النظامِ. والنارُ حتى تحرِقَ محتاجةٌ لمن يستعملُها وهكذا كلُّ شيء مدرَكٌ محسوس محتاجٌ لغيره. والمحتاجُ لا يمكن أن يكون أزلِيّاً. إذا لو كان أزَلِيّاً لاستغنَى عن غيرهِ، فكونهُ محتاجاً معناه أنه ليس بأزَلِيٍّ. وعلى ذلك فإن كونَ الأشياء المدرَكة الْمَحسوسةِ جميعُها مخلوقةً أمرٌ قطعي، إذ غيرُ الأزلِيٍّ يعني أنه مخلوقٌ لخالقٍ. فالإحساسُ بهذه المخلوقاتِ كالإحساس بصوتِ الطائرة أمرٌ قطعي، ووجودُ خالقٍ لهذه المخلوقاتِ صدرت عنهُ، كوجودِ الطائرة التي صدرَ عنها الصوتُ، أمـرٌ قطعي، فصارَ وجود الخالقِ للمخلوقاتِ أمراً قطعياً. فالإنسانُ قد أدركَ المخلوقات بحسِّه وعقله، وأدرك من الإحساسِ بِها وجودَ خالقٍ لها قطعاً. فوجودُ الخالق حقيقةٌ قد لَمَسَ الإنسانُ وجودَها بالحسِّ وليس فكرة تخيَّلها الإنسانُ في ذهنه.
وهذا الخالقُ يجب عقلاً أن يكون أزَليّاً، إذ لو كان غيرَ أزلِيٍّ لكان مُحتاجاً فيكون مخلوقاً، وبما أن الطبيعةَ ليست أزليةً لأنَّها محتاجةٌ إلى أن تُسَيَّر بنِسَبٍ وأحوالٍ معيَّنة لا تستطيعُ إلاّ أن تتقيدَ بِها فهي محتاجةٌ إلى هذه النِّسب والأحوال. وبما أن المادةَ ليست أزلية لأنَّها محتاجةٌ إذ لا تستطيعُ أن تتحوَّلَ من حال إلى حالٍ إلاّ بتكاثُرٍ معيَّن ونِسَبٍ معينة، ولا تستطيعُ إلاّ أن تتقيدَ بِهذه النِّسب وهذا القدرِ من التكاثر، فهي محتاجةٌ، فتكون الطبيعةُ ليست خالقاً لأنَّها ليست أزليَّة قديمةً، وتكون المادةُ ليست خالقاً لأنَّها ليست أزليَّة قديمة، فلم يَبْقَ إلاّ أن يكونَ الخالقُ هو اللهُ تعالى، أي: ذلك الأزلِيُّ القديمُ الذي يسميه الناسُ اللهَ، أو GOD، أو الهيم، أو ما شاكلَ ذلك من الأسماء التي تدلُّ على مسمَّى واحد هو اللهُ، أي الخالقُ الأزليُّ القديم.
فاللهُ حقيقة يُلْمَسُ وُجُودُهَا بالحسِّ من وجود مخلوقاته وليس فكرةً متخيَّلة في الأذهان، وقصورُ إدراك العلمانيِّين هو لضعفِ عقولهم وتدنِّي إدراكهم عن مستوى هذه الحقيقةِ، فالإنسانُ حين يخاف اللهَ يخافُ من ذات مَوجودةٍ حقيقةً يلمسُ وجودَها بالحسِّ، وحين يعبدُ الله يعبدُ ذاتاً موجودةً حقيقة يلمسُ وجودَها بالحس، وحين يطلبُ رضوان الله يطلبُ رضوان ذاتٍ موجودة حقيقةً يلمسُ وجودَها بالحسِّ. ولذلك يكون الإنسانُ خائفاً من الله، عَابداً الله، طَالباً رضوان الله عن يقينٍ لاَ يَتَطَرَّقُ إليه أيُّ ارتياب.