أمريكا.. والحرب الاستباقية   عدد القراء : 1751   . د. سعد الحديثي

عادة ما تكون هناك اسباب معروفة لقيام الحروب، اسباب تعارفت عليها دول العالم الحديث وربما حتى القديم، وتكاد تكون موضع اتفاق السياسيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم وفي اية دولة كانوا.
ومراجعة بسيطة وسريعة لتاريخ الحروب التي نشأت في العصر الحديث والقديم معاً تظهرنا على هذه الاسباب التي بسببها قامت الحروب القصيرة والطويلة بين دول العالم، ويمكن تلخيص هذه الاسباب بكلمتين اثنتين هما: المصالح والمطامع.
واقرأ معي اسباب نشأة واندلاع الحروب وقل لي ان هناك حرباً واحدة لم تكن قد نشبت بدافع مصلحي او بمطمع غير مشروع، فبين طامع بارض الغير وبتوسيع دولته او امارته او مملكته على حساب جيرانه الاضعف منه، وبين طامع بثروات الغير ومواردهم الطبيعية قامت الحروب. وحتى الحروب التي قامت لاسباب اخرى كما ادعى الذين بدأوها، فان اسبابهم التي رفعوها لم تكن سوى واجهات خادعة ومضللة لتبرير شن حروبهم والتغطية على اسبابهم الحقيقية لشن تلك الحروب.
ومن حروب الامبراطورية الرومانية في مصر كليوباترا الى حروب الامبراطورية الانكليزية ضد الصين التي سميت بحرب (الافيون) وصولاً الى الحرب العالمية الاولى التي اتخذ مقتل ارشيدق النمسا وولي عهدها فرنسيس فرديناند ذريعة لاندلاع نيرانها، وكذا بالنسبة للحرب العلمية الثانية وكل الحروب التي شنت بعدها والتي ستشن الى ان يرث الله الارض ومن عليها ستبقى القاعدة التي سبق ان ذكرناها حول اسباب اندلاع الحروب ونشوبها صادقة.
ولا تشذ الحرب التي شنتها الادارة الامريكية على العراق عن هذه القاعدة، حيث تذرعت الادارة الامريكية بعدة اسباب لشن حربها على العراق مثل التخلص من اسلحة الدمار الشامل التي ادعت الادارة الامريكية ان العراق كان يمتلكها وكذلك تحرير العراق من سيطرة نظام شمولي الا ان الذي يختلف في الحرب التي شنتها الادارة الامريكية على العراق عن كل الحروب السابقة التي عرفها التاريخ الانساني الحديث والقديم منه، ان هذه الحرب هي الحرب الاستباقية الاولى في تاريخ العلاقات الدولية. فلأول مرة تقدم دولة على شن حرب ضد دولة اخرى استباقاً لخطر ربما تشكله الدولة الثانية على امن الدولة الاولى مستقبلاً. حيث عدت الادارة الامريكية حربها على العراق بمثابة ضربة وقائية لاجهاض خطر يمكن ان يتشكل مستقبلاً في العراق لتهديد الامن الامريكي، علماً ان هذا الخطر لا يستند الى اسباب حقيقية بقدر استناده على الظنون مجرد ظنون وتوقعات وتخمينات حول خطر داهم يمكن ان يطال امر الولايات المتحدة الامريكية في المستقبل اذا قدر للعراق امتلاك اسلحة دمار شامل.
هذه المخاوف القائمة على الظنون والتخمينات ثبت لاحقاً انها مجرد اكاذيب ملفقة استخدمت كمبرر لاقناع الرأي العام الامريكي خصوصاً والعالمي عموماً بضرورة القيام بالضربة الوقائية وشن الحرب الاستباقية (دفاعاً عن الامن القومي الامريكي المستقبلي).
لقد سنت الولايات المتحدة الامريكية سابقة خطيرة لم يسبقها اليها احد في تأريخ العلاقات الدولية، وهذه السابقة هي الحرب الاستباقية والتي بموجبها يمكن لاي دولة في العالم لمجرد الشك او الظن ان تشن حرباً شعواء ضد اية دولة اخرى في العالم بحجة كون الدولة الثانية يمكن ان تشكل خطراً على امن الدولة الاولى القومي، وبالتأكيد فان الامن القومي لاية دولة يتشكل من عوامل عدة منها السياسية والسيادية والاقتصادية والعسكرية والاستخبارية وربما حتى الاجتماعية والدينية.
وهكذا يمكن لاية دولة ان تتذرع بالف ذريعة لشن الحرب على اية دولة تشاء بحجة تهديد تلك الدولة لأمنها القومي بل حتى لاحتمال ان تهدد الدولة الثانية امن الدولة الاولى في المستقبل. وهذا امر ان اتخذته دول العالم او على الاقل بعضها كقاعدة في العلاقات الدولية لاصبح العالم غابة يمكن فيها لمن شاء ان يفعل ما يشاء فيضرب ويحتل ويقتل ويدمر بذريعة حماية امنه القومي ولن يعدم الحجة او المبرر الذي يمكن ان يسوقه لاضفاء غطاء قانوني وشرعي على ما يقوم به من حروب.
وهاهي بشائر هذا التوحش الذي يحكم العلاقات الدولية في مفتتح القرن الحادي والعشرين تظهر بسبب السابقة الامريكية في العالم، حيث ان روسيا الاتحادية بلسان بعض مسؤوليها قد اعلنت ان من حقها القيام بضربات عسكرية في بعض الدول التي تعتقد انها تدعم المقاتلين الشيشان والشيء نفسه فعلته الهند حيث اعلن بعض مسؤوليها ان بلادهم تحتفظ بحق القيام بضربات اجهاضية في داخل الحدود الباكستانية ضد معسكرات تدريب ثوار كشمير كما ادعى اولئك المسؤولون.
ومن يدري ربما يأتي اليوم الذي تعاني فيه الولايات المتحدة الامريكية من مخاطر الحرب الاستباقية التي شرعتها ادارتها في العراق، فكما تكيلوا يكال لكم، وكما تدينوا تدانوا.