بوش.. طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية   عدد القراء : 1398   . محمد بن المختار

هل تدين بوش مصدر قوة أو مصدر ضعف؟
هذا الحماس الديني الذي هو مصدر قوة الرئيس بوش وطاقته هو ايضاً مصدر ضعفه وسوء تقديره للامور وليس هذا رأي اعداء الرئيس بوش ومنتقديه فحسب بل هو قول مساعديه ومقربيه كذلك وقد ذكرت مجلة نيوزويك ان مستشاري الرئيس بوش يدركون ان العديد من الامريكيين - وكثيرين عبرالعالم - يعتبرونه رجلاً اعمته معتقداته عن فهم تعقيدات العالم المحيطة به كما هي ولا ينكر مساعدو بوش هذه التهمة بحسب المجلة التي تضيف: يقول مساعدو بوش ان معتقداته المسيحية المتأججة تحت السطح تمنحه قوة وعزماً لكنها لا تعنيه على فهم السياسات اللازمة اتباعها (نيوزويك 2003/3/10).
لقد عمي بوش عن رؤية الآثار السلبية التي قد تنتج عن حربه ضد العراق ومنها سقوط عدد افراد من المدنيين العراقيين والعسكريين الامريكيين في القتال ومزيد من الهجمات داخل امريكا وحدوث ازمة نفطية عالمية وتعميق الجفوة بين العالم الاسلامي وامريكا واحتمال انهيار بعض الحكومات الموالية لواشنطن وعزلة الولايات المتحدة في العالم وبث الكراهية لها في اركان الارض.. الخ.
وبدلاً من الرد على هذه الاعتبارات العملية بحجج عملية مناقضة، فان جورج بوش يصوغ خطابه بلغة المطلقات: صراع بين الخير(امريكا) والشر (العرب المسلمين) ورسالة امريكا التاريخية لنشر الحرية منحة الرب المقدسة لكل البشر.. وهو خطاب يجذب اليمين المسيحي ويرضي اليمين اليهودي ولا يهم ما يحدث بعد ذلك.
ان خطاب بوش يذكر بخطاب المستعمرين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وحديثهم عن مسؤولية الرجل الابيض والهم الذي يحمله بين جبينه والعبء الملقى على عاتقه لنشر الحضارة وتمدين الشعوب المتوحشة!!.
ويأخذ البعض على بوش النظرة الجبرية التي تسم رؤيته الشخصية والسياسية اذ تشير الكاتبة (دانا مي لبانك) الى ان الحرب على العراق يراها كثيرون مغامرة لكن بوش يعتبرها حتمية تاريخية وتضيف الكاتبة ان هذه الثقة رغم المخاطر ورغم قوة المعارضة (للحرب) تكشف الكثير عن شخصية بوش ورؤيته للعالم.
ويقول المقربون منه ان هجمات 11ايلول لم تعطه معنى لرئاسته فقط بل منحته مهمة ورسالة في الحياة فبوش يعتبر قيادته لامريكا بعد 11ايلول امراً الهياً واختيارا ربانياً. (الواشنطن بوست 2003/3/9) وربما كانت هذه الجبرية الدينية هي مصدر ما وصفته الكاتبة (التفاؤل الساذج) الذي يطبع خطاب بوش وقراراته حتى ان اصدقاءه يأخذون عليه ذلك.
اما اتهام بوش بالغباء وانعدام البصيرة فقد اصبح اتهاما كلاسيكياً تواترت عليه آراء العديد من الناس من مذاهب ومشارب شتى: من رئيس جنوب افريقيا السابق نلسون مانديلا إلى الكاتب الامريكي مايك نور مؤلف كتاب (رجال بيض اغبياء).
اعتراضات من داخل المؤسسة المسيحية
ريتشارد بيرل هو اصل فكرة غزو العراق اذ ضمنها دراسة اعدها منذ اعوام ضمن فريق تراسه من مثقفي اليهود الامريكيين عن الاستراتيجية الاسرائيلية وعمل بيرل من قبل عضوا في مجلس ادارة (المعهد اليهودي لدراسة الامن القومي) ومديراً لصحيفة (جيروز الم بوست) لكن الاغرب انه اليوم يترأس مجلس سياسات الدفاع في الولايات المتحدة، ويعمل مستشاراً لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد مع العديد من اليهود الامريكيين وليس اقلهم شأناً نائب الوزير بول وولفويتز..
ولعل اعمق تحليل لفلسفة بوش وحماسه الديني الذي يطغى على حكمته السياسية هو ما كتبه القس فريتس ريتسش في مقاله (للواشنطون بوست) عن الرب والانسان في المكتب البيضاوي فقد تتبع القس فريتس المصطلحات  الدينية في خطاب بوش والنزعة الوثوقية في احاديثه بأن الرب الى جنبه دوماً مثل قول بوش (ان الحرية والخوف، العدل والفظاعة، ظلا دوماً في صراع، ونحن نعرف ان الرب ليس حيادياً في هذا الصراع) ومن ذلك تكراره الدائم ان امريكا امة مؤمنة وخيرة ومثالية واحياناً أمة رحيمة وسخية وبالطبع فإن اطفال العراق وفلسطين يعرفون عن تلك الرحمة وذلك السخاء اكثر من غيرهم!!
ويعلق القس داعيا الى قدر اكبر من التواضع وقدر اقل من التبجح فيقول: ان اغلب المصلين الذين يحضرون الى كنيستي الصغيرة لا يعتبرون انفسهم ولا يعتبرون الامة الامريكية مجموعة من القديسين وهم ليسوا مستيقنين من الورع الامريكي الذي يتحدث عنه بوش وهم يرون ان انتصارنا على صدام حسين ليس دليلاً كافياً على فضيلتنا امام الناس ولا امام الله وهو لا يبدو حتى دليلاً كافياً على انتصارنا على الارهاب..
ان تقديم بوش تبريرات دينية لحرية على العراق لامر مقلق بل مرعب للكثيرين حسب تعبير القس فريتس وهو بدون نزاع اكثر جرأة من اي رئيس سبقه في هذا المضمار باتفاق الجميع.
ثم يقدم القس خلفية تاريخية لما يبدو حماسا دينيا متأججا لدى بوش فيجد جذوره في تراث المستوطنين الاوروبيين الاوائل في القارة الامريكية الذين كانوا متدينين لحد التعصب يؤمنون بان امريكا هي (صهيون) الجديدة والارض الموعودة وهم ورثة اولئك روحياً. وهو يشير الى ان الامريكيين الحاليين مثل اجدادهم السابقين يؤمنون بانهم محط عناية الهية وقدر الهي محتوم لكن اليمين المسيحي الذي ينتمي اليه بوش صياغة هذه الافكار الثيولوجية صاغة سياسية عملية.
ان ما كان يطمح اليه اليمين المسيحي الامريكي على الدوام- بحسب القس فريتس- هو قائد على منوال شخصية داود الانجيلية يوحد مطامحهم السياسية مع رؤاهم الدينية وكل المؤشرات تدل على ايمانهم بانهم وجدوا هذا القائد اليوم في شخض الرئيس بوش كما تدل ان الرئيس نفسه يؤمن بذلك حسب تعبيره.
ولكن ما يقلق القس وامثاله هو ان هذه الظاهرة تقلب العلاقة التقليدية بين الكنيسة والدولة في التاريخ الامريكي راساً على عقب وتجعل رجل الدين في خدمة رجل الدولة بكل ما يعنيه ذلك من استغلال المسيحية في تبرير الغزو والاستعمار واشعال الحروب مع ديانات اخرى وخصوصاً الاسلام فالعلاقة بين بوش والقاعدة الدينية اليمينية التي حملته الى الرئاسة ليست علاقة صحية ذلك ان انصار بوش المتدينين يتصدرون المصفقين له وبدلاً من ان يقدموا له الهداية الاخلاقية فانهم يرضون بان يكونوا تلاميذ له حسب تعبيره.
ويقصد القس قادة اليمين المسيحي من امثال بيلي غراهام وابنه فرانكلين وجيري … وكلهم معروف بصداقته الحميمة لبوش ودعمه المطلق له وكلهم معروف بعدائه السافر للمسلمين وهجومه على الاسلام ومقدساته وبايمانه الراسخ بالدولة اليهودية.
بالنسبة للقس فريتس فان بوش ومَن وراءه من الاصوليين المسيحيين واليهود في امريكا يمثلون فلسفة دينية اساسها العنف والكراهية والتكبر في وقت تحتاج فيه البشرية الى التواضع والانصاف واعتماد النسبية في تقويم الافراد والامم، فلا يوجد بين البشر من هو شرير بشكل مطلق ولا من هو خير بشكل مطلق، ولا يوجد في البشرية محور شر ومحور خير كما يريد بوش ان يقنعنا بذلك اليوم.
ويعترف القس بحقيقة تأثير الدين في السياسة الامريكية اليوم اكثر من اي وقت مضى فيقول: لم يحدث في التاريخ ان كانت امريكا مسيحية سياسيا وبشكل علني مثل ما هي اليوم لكنه يحذر (بأن اقتناعنا بأن الرب الى جانبنا يجعل الحاجة الى مراجعة الذات والى التواضع اقل).

 امتزاج المشاعر الدينية بمطامح السلطة والثروة 
ويبقى تحفظ لا بد منه فبوش ليس الانسان ذا البعد الواحد الذي يمكن تفسير شخصيته تفسيراً احادياً، والحقيقة ان شخصية بوش شخصية مركبة من الحماس الديني والمنعية السياسية والمالية، فهو متدين يميني عن صدق لكنه سياسي طموح وهوايضا (رجل نفطي) كما وصفه احد الكتاب الفرنسيين وربما تصدق هذه الازدواجية على العديد من المحيطين به فقد ذكرت مجلة نيوزويك ان زوجة اندروكترد مدير مكتب بوش قسيسة وان والد مستشارته للامن القومي (كونداليزا رايس) عمل واعظاً في احد كنائس ولاية (الاباما) (نيوزويك 2003/3/10)، ومن المعروف ان (كونداليزا) كانت تاجرة نفط ناجحة قبل تقلد منصبها ومثلها نائب الرئيس ديك تشيني واخرون.
لقد امتزجت المشاعر المسيحية المتاججة مع ألق الذهب الاصفر في نشأة الدولة الامريكية واندفع المهاجرون البيض من شاطئ المحيط الاطلسي الى شاطئ المحيط الهادئ وابادوا حوالي 100 مليون من الهنود الحمر لما وقفوا في وجه تلك الاندفاعية.
ويبدو ان التاريخ يعيد نفسه اليوم كل ما تغير هو ان الذهب الاسود حلّ محل الذهب الاصفر واصبحت الاندفاعية الى الغرب القريب (كاليفورينا) اندفاعية الى الشرق البعيد (الخليج العربي)، وقد اعتاد المهاجرون البيض الى امريكا رشوة قادة الهنود الحمر بقطع من الزجاج الملون او حفنة من السكر الابيض مقابل اراضي تلك القبائل وما فيها وما عليها ومن عليها وقد برهن قادة الدول- وان شئت القبائل- العربية الحالية انهم اهل لهذه الصفة من جديد فهل يلام بوش ان يسعى الى تحقيق احلامه في ارض يوجد فيها من يقبل هذه الصفقات؟!.
يبقى الامر اكثر تعقيداً مما يتصور بوش الذي غطى الحماس الديني على بصيرته السياسية واعماه عن الصراعات الدينية والسياسية القادمة التي سيفتح لها الباب بحربه على العراق وبرجوعه الى عصر الاستعمار المباشر بعد ان اصبح الضمير البشري يرفض هذا النمط من الاستعمار.
ان مما يبشر بالخير ان لا يزال في امريكا اليوم اصوات- مثل صوت القس فريتس- تدعو الى التواضع والانصاف.
فهل ستنجح اصوات العقل والحكمة في امريكا في الكفكفة من غلواء الحماس الديني لدى بوش ورهطه؟ او ان الدم القاني هو وحده الذي سيتكفل بذلك في النهاية؟.