أقاهرة أم مقهورة   عدد القراء : 1021   . آه من قاهرة مقهورة 
   بيدي عاهرة تلقى آثاما
وأما انتم -يا ابناء النيل- ففي استطاعة الناقد البصير ان يقول : انه لا حق بكم من التبعة ثلثاها . ذلك بان خزائن الرحمة بيدكم مفاتيحها ، فبكم المبتدا واليكم المنتهى . اعيروا الخريطة نظرة امعان تتحقوا ذلك من غير اشتباه . ان السجل الذي تخط فيه اقدار الشرق من سعادة او شقاء هو عندكم محفوظ وديعة من الله .عرجوا على (ترعة السويس) لا تروا ضفتيها غير دفتي ذاك السجل الكبير . ما ذللت الشرق دولة بريطانيا وامتلكت نواصي (322) مليونا من ابنائه في آسيا ولا استحكمت حلقات استبدادها واستعبادها في اولئك البؤساء إلا بعد ما سجلت عليهم الشقاء في ضفاف (الترعة ) وقبضت على ناصية (الأهرام) في وادي النيل .ما كانت رباق الاستعباد البريطاني في الهند الا نسيجا من خيط العنكبوت حتى اذا قهرت (القاهرة ) صارت الرباق اغلالا في الاعناق وانقلبت الخيوط الى قيود من حديد . ان آسيا الكبرى (310) ملايين من الهنود يرزحون تحت هاتيك القيود ثم ليست هي إلا من صنع مصر .
ان الترعة لدولة بريطانيا بالاضافة الى الهند (خط رجعاها ) الذي لولاه لخسرت تاج الامبراطورية هناك ثم طاشت سهامها وخابت آمالها الذهبية في العراق .واذا سلكت الطريق الآخر -على بعد الشقة وفرط العناء - انتهى بها السير الى الجلوس تحت المثل السائر : الى ان يأتي الترياق من العراق يحصل الفراق .
ان العالم الاسلامي اشبه بدائرة واسعة وانقسمت الى نصفين نصف في آسيا ونصف في افريقيا وقناة السويس نقطة المركز من تلك الدائرة وعلى محورها  رحى الاقدار للشرق عامة وللمسلمين خاصة . فما دام هذا المحور في قبضة الانكليز فحظنا من دورانه الشقاء.
اخترقوا الخطوط الجغرافية وقلبوا الاقطار ظهرا لبطن من اعماق (الهند) حتى اكناف (مراكش) تجدوا سلسلة اسلامية مرتبطة الحلقات متماسكة الاطراف وواسطة عقدها (قناة السويس ) التي تجمع بين مسلمي آسيا وافريقيا كالبرزخ بينهما . فلولا ان هذا البرزخ  في قبضة الانكليز  لما تبدد شمل المسلمين كما تبدد وتبعثرت منهم الاشلاء نهبى المطامع وضحايا الاهواء . لولا ان الانكليز قابضون على ذاك الخناق لأمكن المسلمين اليوم -وهم في دور الانتباه وطورالتجدد- ان يضموا شملاً ويلموا شعثا ويجمعوا من دائرة كيانهم بين نصفيها ثم يحطموا للشرق قيوده وينهضوا به الى مستوى مجده القديم ولكن هذه العقبة الكؤود هي التي اصبحت اليوم اكبر حائل بين المسلمين وبين تلك الاماني الذهبية.
من اجل ذلك لا جرم اذا قلنا : ان قيود الاستعباد الغربي تصنع في (مصر) ثم منها تحمل الى الاقطار الشرقية عامة والاسلامية خاصة فتغل بها الايدي وتطوق بها الاعناق . ومن هنا كان ثلثا تبعة الشرق على ابناء النيل .
ثم من اجل ذلك كان الهدف الاوحد لدولة الخلافة الاسلامية في هذه الحرب العامة تحرير وادي النيل من يد بريطانيا الجانية لا طمعا في صعيد مصر توسع به نطاق ملكها بل غيرة على المسلمين تعزيزا للجامعة الاسلامية وخدمة للدين الحنيف ولهذا خاضت غمار الحرب باسم الدين ونادت (بالجهاد الأكبر) وصدعت (بالاتحاد الاسلامي) تذيعه على افواه المدافع والسنة الحراب.
فوارحمتاه يا ابناء النيل ...! اي تبعة تحملون : اتبعة انفسكم عليها ؟ ام تبعة اخوان دينكم من المسلمين كافة ؟ ام تبعة الدين نفسه ؟ ام تبعة الخلافة الاسلامية على ما تعملون من مكانتها في دينكم الحنيف ؟ ام تبعة الشرق ازاء عدوه الغرب ؟ تعقون منه ابا مشفقا وشيخا كبيرا ؟ ام تبعة ابنائه من اخوانكم الشرقيين عامة وهم امم لا تحصى في اقطار لاتستقصى ؟ وارحمتاه يا ابناء النيل ..! اي تبعة تحملون ؟
رويدا يا أبناء القاهرة رويدا ! يقال (الارض تشقى وتسعد) وانما على يد ابنائها يتم لها السعد او الشقاء فرفقا بصعيد مصر الطيب وبارضها المباركة ! فكروا في النيل :اشقي ام سعيد؟ وامعنوا النظر في مصر : اقاهرة ام مقهورة ؟ فاذا ما انقلب اليكم البصر خاسئا وهو حسير فارسلوه تارة اخرى ثم فكروا : لماذا ؟ اليست الطبيعة بجانبكم ، وهي لاتقهر ، ثم من فوقكم يد الله وهو احكم الحاكمين ؟ فلماذا ؟ والى متى ترضون لمصر ان تكون مقهورة بينما هي قاهرة ثم تحملون من وراء قهرها تبعات فوق تبعات ؟ عطفا الى التأريخ ولو بعض النظرات : اما والله ما كان الذين شادوا الاهرام من قبلكم الا امما امثالكم ، وهم اسلاف وانتم الاخلاف .ولكن هي الهمم فانظروا ماذا تفعل : انها نهضت بهم حتى اتوا بالمعجزات ورقوا الى ذلك المستوى ثم قعدت بكم حتى رضيتم بهذا الحضيض .هم اورثوكم مصر مثل الاهرام ثم انتم عجزتم ان تحفظوا مثل هذا التراث . هم اورثوكم مصر وهي قاهرة ثم انتم ورثتموها وهي مقهورة الا ان في ذلك لآيات لأولي الألباب فهل انتم معتبرون ؟ ويحكم ارسلوا شعاع النظر نافذا الى الاعماق ثم اتقوا الله واحذروا التأريخ .
اني لمطمئن القلب ان بين جوانحكم من العواطف الشريفة والاحساسات السامية ما يتقد مثل الجمر اتقادا .ولكن ما لي لا ارى شرراً لهاتيك النيران! اني لواثق كل الثقة ان ابن مصر يحب مصر فلماذا رضي لها بالشقاء ؟ وان ربيب النيل يغار على النيل فلماذا لم يطهره من الجراثيم حتى استعذب في ظله العذاب ؟ يرحم الله الورداني .! اليس له اخ هناك ام قد ولد فذاً ؟ آه ليوم اسمع همهمة ابناء النيل تمتزج بخرير مائه العذب تريد تطهيره ثم ذلك اليوم مرحبا بالموت ؟
يا قوم ! ضعوا ايديكم في ايدينا - ومن فوقها يد الله - ينصركم الله على عدوه وعدوكم ثم تكونوا قوماً صالحين.
                   *كهانة سياسية في الحرب العامة ومصير الدولة الانكليزية
لا مرية ان الحرب الحاضرة العامة  يتيمة التأريخ وبيضة عقره لا اخبر بمثلها فيما غبر ولا اخاله يأتي لها بعد هذا بنظير وما اظن جمرها المتقد يخمد دون ان يبقى منه وميض خلال الرماد كلما عصفت به ريح  الحوادث عاد ضراما .سوف تنتهي هذه الحرب ولكن ما ارى الدهر يضمن بانتهائها دون ان تعود بثوب آخر ولكن الروح تلك الروح على اصول القميص ليكوننّ لها صفحات متعددة ثم لكل صفحة نتيجة غير الاخرى حتى تأخذ السماء قسطها من سكان الارض وينتقم الله من عباده جميعا ثم من بعضهم لبعض وفي خلال هذا التيار من عجائب التأريخ تتخضد شوكة بريطانيا العظمى ويصغر تاجها الكبير وبذلك تختم الوقائع فيعود النظام ويسود السلام ويستريح البشر عامة والمسلمون خاصة من جنايات الانكليز وما ذلك على الله بعزيز.
وما هي بكهانة ولكنها دعوى تعضدها الشواهد ويؤيدها البرهان وان كنت في ريب من هذا فاقرأ(جنايات الانكليز) بتدبر وامعان تكن بذلك من الموقنين وقل انتظروا فانا معكم منتظرون وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون .
وهذا آخر ما حملني على ايراده حسن النية وخلوص الطوية للبشر عامة ولمواطني الشرقيين خاصة ثم لاخواني المسلمين على الاخص ولا آمن على نفسي الزلل فيما كتبت ولكن رجائي الى القارئ الكريم ان ياخذ لنفسه ما كان صوابا وان يدع ما رآه خطأ واظني قد انصفته بهذا فلينصفني كما انصفت . والله المستعان واليه المآب.