تلاقي مصالح   عدد القراء : 1401   .

 لم تكن الانتخابات الاخيرة التي جرت في العراق في الثلاثين من كانون الثاني الماضي هي المرة الاولى التي تلتقي فيها مصالح الحكومة الايرانية مع مصالح الادارة الجمهورية في أمريكا، حيث أشارت تقارير استخباراتية امريكية نشرت في بعض صحف امريكا الى ان انتهاء أزمة الرهائن الامريكيين الشهيرة في طهران عام 1979 قد تمت بناء على اتفاق حصل آنذاك بين الادارة الجمهورية برئاسة (ريغان) ومفاوضيين ايرانيين تم خلاله الاتفاق على ان ترفض الحكومة الايرانية الموافقة على اطلاق الرهائن في عهد الادارة الديمقراطية في واشنطن آنذاك برئاسة (جيمي كارتر) وأن تؤجل هذا الامر حتى الانتهاء من اجراء الانتخابات وذلك من اجل افشال الادارة الديمقراطية وحرمانها من فرصة الفوز بولاية ثانية.
وبالفعل تم الاعلان عن اطلاق سراح الرهائن بعد ساعة واحدة من اعلان فوز (رونالد ريغان) بالرئاسة، وكان المقابل الذي حصلت عليه طهران آنذاك هو اربعة مليارات من الدولارات بالاضافة الى قيام الادارة الجمهورية في امريكا بتزويد طهران ببعض المعدات التقنية الحديثة والمتطورة المهمة لتسليح ايران وفي مقدمتها معدات الطائرات المقاتلة، والجميع يتذكر فضيحة ( ايران كونترا ) في بداية الثمانينيات من القرن الماضي التي كشفت النشاط التسليحي الذي كانت الادارة الجمهورية في أمريكا تقوم به لتصدير الاسلحة الى طهران وتخصيص عائدات هذه العملية لتمويل المعارضة في ( نيكاراغوا ) في أمريكا الوسطى.
ومن المفارقات ان الحكومة الايرانية والادارة الامريكية اللتين تبدوان مختلفتان في كل شيء - أو هكذا على الاقل يبدو - تتفقان على موضوع الانتخابات في العراق وتصر كل منهما على ضرورة اجرائها في موعدها الذي حدده قانون ادارة الدولة المؤقت، وبالتأكيد فان دوافع كل منهما مختلفة، ففي حين ان اصرار طهران على اجراء الانتخابات في العراق ومباركتها اياها قد جاء على اعتبار ان الانتخابات في ظل الظروف التي اجريت فيها ستكون الوسيلة المثلى لايصال اطراف مقربة منها الى السلطة في بغداد، فان الادارة الامريكية رأت في اجراء الانتخابات جملة من المكاسب لا بل الضرورات التي بدونها ستزداد مشاكل قوات الاحتلال الامريكي في العراق فضلاً عن عرقلة المشروع الامريكي في العراق والمنطقة معاً، هذا بالاضافة طبعاً الى ان اجراء الانتخابات بالنسبة للادارة الامريكية يمثل حسب تصور تلك الادارة مخرجاً حقيقياً للمأزق الامريكي المتفاقم في العراق وفي كل المناحي السياسية والعسكرية والاقتصادية.
هنالك عملية شد وارخاء جارية بين واشنطن وطهران حيث ان طهران لا يمكن ان تنسى للادارة الامريكية صنيعها الذي اسدته لايران -وان كان ذلك بغير قصد طبعاً- حين احتلت العراق واسقطت النظام الحاكم فيها الذي كان الخصم اللدود لايران، فحققت امريكا لطهران هدفاً عجزت عنه الاخيرة لحرب استمرت لثمانية اعوام، وحدث الامر ذاته قبل ذلك في افغانستان حين اسقطت قوات الاحتلال الامريكي نظام طالبان الخصم الثاني لايران، وبهذا تكون امريكا قد خلصت طهران من الخصمين لها، هذا ان لم يكونا الخصمين الفعليين الوحيدين، وعلينا ان نتذكر جيداً ان طهران هي اول من اعترف بمجلس الحكم المؤقت الذي عينه الحاكم المدني الامريكي السابق في العراق (بول بريمر) بين دول المنطقة كما كانت اول من ارسل سفيرها الى العراق. ويبدو ان طهران تستخدم الملف العراقي لجني المكاسب او التخلص من الضغوطات الامريكية عليها سواء اكان ذلك في اطار الملف النووي او في اطار ملف الاصلاحات.
ويبدو ان الادارة الامريكية تعتمد الاسلوب نفسه في التشدد والارخاء تجاه طهران وتبعاً لمقتضيات الوضع الداخلي في العراق وكذلك طبيعة الظروف الاقليمية والدولية، خصوصاً بعد التعثر الذي يعانيه المشروع الامريكي في العراق الامر الذي يحتم على واشنطن ان تتحلى بالصبر والاناة في تعاطيها مع طهران لان واشنطن ليست في وضع يسمح لها بتصعيد الضغوط السياسية والدبلوماسية على طهران في هذه المرحلة - على الاقل- كما يبدو ان الهدف المرحلي المقبل لواشنطن لن يكون طهران - كما توهم البعض- بناء على طبيعة الخطاب السياسي والاعلامي الموجه من واشنطن الى طهران وانما سيكون سوريا.