رصاصات حاقدة.. في ليل طويل   عدد القراء : 1585   . في زمن لم يكتف سفاحوه بالمساواة بين الجلاد والضحية، فنصبوا الجلاد قاضياًٍ ووضعوا الضحية ليس في قفص الاتهام بل اختصروا عليه العملية فنفذوا الحكم عليه كبادرة انسانية منهم وأنهوا حياته دون معاناته وارهاقه في محاكمة شرعية، كما وفروا على ذوي الضحية عناء الدفن والقوا بكل ضحاياهم في مبزل للمياه الثقيلة، قناعة منهم بأنهم نفايات تلوث البيئة وتشكل خطراً على الناس!. أصوات الحقيقة كانت أسرع من رصاصاتهم التي عُبئت حقداً بدلاً من البارود، نعرضها كما هي وعلى لسان بعض الضحايا الناجين...

البصائر/ قسم التحقيقات..
الضحية الأولى (س أ) توجهنا أنا وصديقي (م ج) من الكرمة بسيارة صديقي قاصدين العاصمة بغداد عن طريق يدعى (ابراهيم بن علي) وهو طريق يوصلنا إلى العاصمة عن طريق مدينة الشعلة وكنا نقصده دائماً ويقصده الفلاحون لبيع خضراواتهم بعد جنيها وكذلك يستسهله سائقو اللوريات وسيارات الحمل الصغيرة لسهولة السير فيه.
وبعد مرورنا في الطريق الذي يربط منطقة (ابراهيم بن علي) بالشعلة وعند الدخول إلى الشعلة صادفتنا سيطرات مشتركة للقوات العراقية والامريكية وأوقفوا سيارات عديدة قبلنا وكنا نقترب من أول سيطرة، وكان عدد السيطرات العراقية ثلاث سيطرات تقدمنا إلى السيطرة الأولى وكانوا يرتدون الزي الرسمي للشرطة العراقية وسيارات الـ(بيك آب) منصب عليها سلاح الـ(بي كي سي) طلبوا منا اخراج المستمسكات الشخصية وأوراق السيارة وبعد صحة الأوراق الثبوتية سمحوا لنا بالمرور وبعد مسافة وصلنا إلى السيطرة الثانية وكان هناك الاجراء نفسه وبعدها سمحوا لنا بالمرور وهكذا حتى وصلنا السيطرة الثالثة وفي لحظة وصولنا لها فاجأتنا احدى سيارات الشرطة نوع (بيك آب) فقطعت الطريق علينا وترجل ضابط الدورية قائلاً: لماذا تجاوزتم السيطرة الأولى بدون السماح لكم فأجبناه بأننا لم نغادر السيطرة إلا بعد تفتيشنا والتأكد من أوراقنا والسماح لنا بالمرور ولدينا أحد عناصر الشرطة شاهد على ذلك وعدنا معهم إلى السيطرة الأولى وفعلاً أكد الشرطي صدق كلامنا فقال الضابط مدعياً بأن هناك بلاغ على سيارتكم في مقر الشرطة لأنكم تجاوزتم السيطرة وسرتم على الرصيف ورفضتم التوقف للتفتيش. وأنا سأقوم بتصحيح الموقف وسنأخذكم معنا لانهاء الأمر في مقر الشرطة وبعدها تذهبون إلى حال سبيلكم. وفعلاً تصرفنا بشكل طبيعي لأننا متأكدون بأنهم رجال شرطة وهم واجهة القانون العراقي وبعد ذلك وصلنا إلى مقر الشرطة وهو في بناية كانت سابقاً فرقة حزبية وعرفنا ذلك بعد فترة طويلة، جلسنا داخل غرفة وكان الجميع يرتدون ملابس مدنية مما اثار استغرابنا. حضر أحدهم تبين أنه الضابط طمأننا وقال لنا بانه اجراء روتيني لاغلاق المحضر وبعدها تذهبون بالسلامة وبعد نصف ساعة من الاستجواب تركونا لوحدنا.
شيخ كبير في صندوق سيارة
وبعد نصف ساعة أخرى حضر شخص آخر بملابس مدنية أيضاً ولكن الوجه مختلف هذه المرة والنظرة هذه المرة نظرة اتهام وبدأ حديثه: سيتم نقلكم إلى الجهة المختصة للقصاص منكم وفاجأنا ما قاله فثرنا وطلبنا منهم اطلاق سراحنا لأننا لم توجه إلينا تهمة ولا يحق لكم اعتقالنا، وحضر آخر وقال حولوهم إلى مركز شرطة الكاظمية ورفضنا الذهاب معهم لعدم وجود تهمة ضدنا وألقوا بنا على الأرض وقيدوا ايدينا ووضعونا في صندوق السيارة وتحركت بنا السيارة مسافة وكاد أن يغمى علينا من قلة الهواء في صندوق السيارة وأوقفوا السيارة ورشقونا بالماء لكي نبقى يقظين ولا نفقد وعينا وأخرجونا لفترة قصيرة.
وشاهدنا السيارة الثانية وكان في صندوقها شخص مقيد وبعد رؤيتنا له عن قرب اتضح انه شيخ كبير ملتحٍ وبعدها أعادوه إلى الصندوق وبدأ بالضرب على صندوق السيارة من الداخل وأصدر أصوات استغاثة فحضر أحد عناصر الشرطة الموجودة وسمعته يقول للشخص الذي قيدنا: سيدي الضابط لقد اختطفناه من جامع يسمى (جامع الحمزة) وهو موجود في الغزالية وبعد ذلك دار بينهم حديث ذكر لهم الضابط كما يسمونه وهو قائدهم بأننا يجب قتلهم والخلاص من جثثهم كما فعلنا مع الذين سبقوهم والبقية انتم تعرفونها.
فتوسلنا بهم بعد أن قرروا قتلنا وطلبنا منهم أن يقبلوا بعرضنا وهو تقديم أي مبلغ يطلبونه مقابل الابقاء على حياتنا وكان ردهم وما هي امكانيتكم لأن مطالبنا كبيرة وفعلاً حددوا مبلغ (10.000) دولار وافقنا واجرينا بعض الاتصالات مع أصدقاء لنا وأقاربنا في بغداد وتم تأمين المبلغ وحددوا شروط العملية، استلام المبلغ وان يكون المكان والزمان محددين من قبلهم وقام باحضار المبلغ احد اصدقائنا وطلبنا منه عدم تسليم المبلغ الا بعد الاتصال بنا لتأكيد الجهة المستلمة وقاموا بعدة اتصالات كانت اولها لتحديد المكان وكان اختيارهم (منطقة العامرية) وبعد مرور نصف ساعة اتصلوا بالصديق (ع) وغيروا المكان وأصبح المكان الجديد في الأعظمية وبعد جولة طويلة اتصلوا بـ(ع) وقرروا نقل عملية التسليم إلى الغزالية كاختيار نهائي للاحتياطات الأمنية.
وعدونا باطلاق سراحنا ونكثوا
ذهبوا في الزمان والمكان وحضر الصديق (ع) ومعه المبلغ المطلوب والتقى به اثنان من الشرطة بسيارة نوع (أوبل) بدون دعامية فاتصل بنا (ع) حسب الاتفاق وقال لنا معي شخصان بالزي الخاص بالشرطة هل هم جهة الاستلام وطلبنا منه التحدث اليهم وفعلاً تم تسليم المبلغ وحضروا الينا وكان الوقت عصراً وبدأوا يقولون لنا سنطلق سراحكم انتم بأمان الآن وماطلوا كثيراً وتجولوا بنا في شوارع الغزالية وبعد ذلك قالوا لنا سنعيدكم إلى بغداد وتوجهوا بنا بعكس الاتجاه وأوصلونا إلى منطقة باتجاه طريق ابراهيم بن علي في أرض نائية وبعد حلول الظلام أعادونا إلى الشعلة بعد وضعنا في الحوض الخلفي للسيارة الثانية واقتربنا من المبزل الموجود في الشعلة المقابل لمحطة تعبئة الوقود  واثناء توقفهم عند المبزل تمكن صديقي (م ج) من فتح باب السيارة والهرب بعيداً إلا انهم لاحقوه بنيران اسلحتهم الغادرة وأردوه قتيلاً واثناء مطاردتهم لصديقي (م ج) هربت أنا أيضاً وصوب أحدهم النار عليَّ وأصابني بفخذي والقيت بنفسي في المبزل المليء بالمياه الآسنة والفضلات الثقيلة.
جثث ملقاة على حافة المبزل
تحملت الرائحة والقذارة لأنني لا اريد أن أعيش لنفسي بل من أجل الناس الذين وجدت جثثهم ملقاة على حافة المبزل وبعدها فتحوا النار على عدة جهات من المبزل ومشطوا المياه بنيران اسلحتهم ونجاني الله عز وجل من انيابهم الغادرة وبعد ذلك سمعت صوت جسم ثقيل يلقى في الجهة الأخرى من المبزل وتبين لي انه شيخ الجامع الذي خطفوه من جامع الحمزة في الغزالية وكنت داخل المياه الآسنة ولم يخرج مني سوى أنفي وفمي للتنفس والبقاء حياً لأكشف هذه المجزرة البشرية التي طالت اناساً أبرياء دون ذنب أو تهمة توجه إليهم وخطفهم من مساكنهم وقتلهم ورمي جثثهم في المياه القذرة والفضلات الثقيلة.
وكانت يدي ما تزال مقيدة وخرجت بعد مرور أربع ساعات في المكان نفسه وتمكنت من الزحف إلى خارج المياه الآسنة وتوجهت إلى المنازل القريبة لطلب المساعدة ولم أجد من يساعدني واستمريت بالهروب وصادفت عاموداً حديدياً وقطعت قيدي باحتكاكي به وانطلقت راكضاً إلى ان اهتديت إلى بناية علقت عليها لافتة كتب عليها (الحزب الاسلامي والوقف السني) ودخلتها وصادفت بعض سائقي اللوريات يدخلون ولجأت إليهم وقصصت عليهم حكايتي وقالوا لي إن هذه الحادثة تحصل كل يوم ولا جديد ذكرته لنا وأنت الآن في أمان وسننقلك إلى أهلك.
وأنا الآن أخضع للعلاج بسبب الاصابات والمياه الآسنة التي تسممت بها وحرقت بشرة جسدي بالكامل.
ولا يزالون يتعرضون لعائلتي من خلال الاتصال بهم عبر الموبايلات التي سرقوها منا ويتهددونهم بين الحين والآخر ويقولون لهم بأنهم ما زالوا يحتجزوننا ولن نطلقهم إلا بعد الحصول على مبلغ قدره (100.000) دولار وإلا سنقوم بقتلهم وجميعكم مهددون بالقتل في حالة عدم جلبكم المبلغ المطلوب وقام أخي بالرد عليهم لكي يخففوا من المبلغ وبعد اتصالات كثيرة أصبح المبلغ (50.000) دولار غير قابل للنقصان.
والآن..
ونحن الآن في حيرة من امرنا فلا نستطيع التحرك ولا نعلم إلى أين نذهب فخصمنا ارتدى وجه القانون وسرق حقوقنا باسم الدولة والنظام الحاكم وتوجهنا إلى علماء الدين في مدينتنا وخرجوا بنتيجة مفادها بأننا لا نستطيع مواجهتهم وذلك لأنهم يحتمون بالقانون وسطوة السلاح والولاء للمحتل ولا يقدر عليهم إلا الله وحده وهو العزيز الجبار.