يوم في التأريخ   عدد القراء : 1305   .

منذان تبرع الحاج حسين عبد حسن بلوحته المعدنية للمسجد (تقويم بجيبين للتأريخين الهجري والميلادي تتوزعه خمس ساعات بعقارب معطلة تُحرك يدوياً موشحة من فوق بنص الآية الكريمة (إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)  منذ ذلك اليوم وانا عبد الله ساجت مؤذن مسجد الشهيد احمد جميل أجدُ نفسي منساقاً ودون وعي مني وبعد أذان الفجر مباشرة إلى ضبط عقارب الساعات الخمس بما يشير إلى أوقات الصلوات في ذلك اليوم، ثم تغيير التأريخيين الهجري والميلادي لهُ ويبدو ان الامر اصبح ومن حيث لا ادري تدريباً دورياً لذاكرتي. استعرض فيه مدى تذكرها وحفظها لدورة الايام المتعاقبة. أو ما يشبه عادة يومية أمارسها فجر كل يوم وأنا أرقب دورة الايام المتعاقبة..
كلما امتدت يدي إلى التأريخين الهجري والميلادي لتغييرهما بما يشير إلى ذلك اليوم قفزت إلى ذاكرتي تأريخية أو رمزية ذلك اليوم في التأريخين العربي الاسلامي أو التاريخ الحديث وأحياناً العالمي.
هذا يوم الاول من رمضان شهر الطاعة والايمان وهذا العاشر من  ذي الحجة عيد الاضحى المبارك وهذا السابع والعشرون من رمضان يوم ليلة القدر ليلة السلام والعبادة وهذا يوم الاول من محرم باكورة السنة الهجرية الجديدة وهذا الخامس من حزيران يوم النكسة في حياة العرب المعاصرة وهذا السادس من تشرين يوم العرب الكبير وهذا يوم الاول من ايار يوم العمال العالمي ويوم الرابع عشر من تمور يوم رحيل الملكية وهذا وهذا.... وعشرات الايام الرسمية والشعبية في ذاكرة العرب والمسلمين رحتُ اتذكرها واتعظ بها فوق لوحة الحاج حسين وشيء من التلذذ أو رائحة العذابات والبكاء فوق واجهات التاريخ رحت ازج فيه روحي.
أي عظة هي لوحة الحاج حسين هذه؟ أية عظة هي لعبة الايام هذه؟ يوم يذهب وآخر يأتي.  أمم تذهب وأخرى تجيء، المسافات تتسع أو تضيق لا ادري، وذلك اليوم لحظة الصدق الأخيرة ستأتي يوماً..
لا مناص من ذلك ولا هروب لحظة الصدق تلك ترقبك من قريب أو بعيد وستبلغها يوماً، وان طالت فستبلغها يوماً ما.
أمس، أمس فحسب أمتدت يدي إلى اللوحة فارتجفت  كما لوكنت قد صعقت، ارتجفت أصابعي وهي ترى هذا ال(4/9) ينزوي بين الارقام ويريد أن يأخذ حقه هو الآخر في لعبة الأيام تلك..
قبل سنتين في زمن الصحو ما كان هذا الـ (4/9)ليشكل في ذاكرتنا نحن جميعاً من اقصى الدنيا إلى اقصاها ولا استثني أحداً- ما كان ليشكل في ذاكرتنا شيئا، أما وقد أُحتلت بغداد في (4/9) فقد صار له مذاق آخر، صار رمزاً للجراح والألم صار رمزاً للبكاء على بوابات التأريخ وصليل السيوف ولا لوم إلا علينا..
نحن جميعاً من أقصى الدنيا إلى أقصاها ولا استثني أحداً وبغداد تتجرّع كأس المأساة ونعيب زماننا والعيب فينا .
لا ادري كيف تطور الأمر بهواجسي تلك حتى بلغ هذا القرار.. لماذا أشهره في وجه المصلين رمزاً للبكاء واللوعة؟ ولماذا هذه الحيادية مع يوم لم أعد احبه، لم أعد أحتمله رحت أتساءل في نفسي، ورحت أصر على تنفيذ ما عزمت عليه..
أمس، غيرت عقارب الساعة بما يلائم أوقات الصلوات فيه أما (4/9) فقد أخفيته بعيداً عن أعين المصلين، سأعيده ثانية إلى لوحة الحاج حسين وبغداد مطهرة من هذا الرجس الذي لحق بها أن شاء الله..