| ضرورة اللجوء إلى الله عند حدوث الفتن   عدد القراء : 2903   . ان اللجوء الى الله عز وجل وخاصة ايام الفتن من اهم الامور واقوم السبل للخلاص والنجاة من الفتن كبيرها وصغيرها. نعم ان المرء اذا تأمل في اي فتنة من الفتن، فتنة الدنيا بما فيها من شهوات واهواء، وفتنة الممات والحشر والنشر واهوال الآخرة وفتنة التسلط والقتال والحروب وفتنة الغرور والاعجاب بالنفس وفتنة قلب الحقائق واختلال الموازين وكبت صوت الحق وارتفاع صوت الباطل، كل هذه الفتن وتلك المحن لا بد للنجاة منها من لجوء الى الله تعالى وابتهال بين يديه ان ينقذ النفوس منها، وينجيها من شرها، ففتنة الدنيا بما فيها من نساء وملهيات وشهوات لا بد فيها من لجوء الى الله تعالى. فالنساء مثلاً من اخطر الفتن واشدها على الرجال ولهذا قال نبي الله يوسف (عليه الصلاة والسلام) عندما خشي الفتنة بالنساء (والا تصرف عني كيدهن اصب اليهن واكن من الجاهلين). وفتنة الاموال لا بد فيها من لجوء الى الله تعالى ايضاً ولهذا كان نبي الهدى (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ من شر فتنة الغنى فيقول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح اثناء استعاذته من فتن الدنيا المتعددة: (من شر فتنة الفتن). والاهل والولد فتنة من اعظم فتن الدنيا (ان من ازواجكم واولادكم عدواً لكم فاحذروهم) ولهذا تجد في القرآن الكريم ان من صفات عباد الرحمن (جل وعلا) انهم يدعون ربهم تعالى ويلجأون اليه ان يجعل الازواج والاولاد قرة اعين لهم، وما هذا الا انهم يعلمون عظم الفتنة بهم يقول سبحانه وتعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا قرة اعين واجعلنا للمتقين اماما). فالدنيا اذاً بكل ما فيها من شهوات فتنة تصد العبد عن ربه (عز وجل) ولا بد للعبد من لجوء الى ربه سبحانه ان يصرف عنه فتنتها كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حيث كان من دعائه (واعوذ بك من فتنة المحيا). وفتنة الشيطان- هذا العدو اللدود الذي يزين تلك الشهوات والشبهات للانسان ليضله عن سواء السبيل- من اعظم الفتن التي يمر بها الانسان منذ ولادته والى حين وفاته ولهذا حثنا الله تعالى في القرآن الكريم على الاستعاذة من همزات الشياطين فقال: (وقل ربي اعوذ بك من همزات الشياطين* واعوذ بك رب ان يحضرون). وبين نبي الله (صلى الله عليه وسلم) ان ذكر الله عز وجل وهو دعاء من اقوى الامور التي يجابه بها المسلم الشيطان الرجيم، ولهذا روي عنه (صلى الله عليه وسلم) من حديث عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء). وقد طلب ابو بكر (رضي الله عنه) من الرسول (صلى الله عليه وسلم) ان يذكر له كلمات يقولها ويدعو بها اذا اصبح وامسى، فحثه الرسول (صلى الله عليه وسلم) على ان يستعيذ بالله من الشيطان وشركه فيقول: (اعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه). ورحم الله تلك المرأة الصالحة في عهد التابعين التي كانت تدعو وتقول (اللهم ان ابليس عبد من عبيدك نهايته بيدك يراني من حيث لا اراه، وانت تراه من حيث لا يراك اللهم انك تقدر على امره كله، وهو لا يقدر من امرك على شيء، اللهم ان ارادني بشر فارده وان كادني فكده ادرأ بك في نحره واعوذ بك من شره). وفتنة الآخرة وما فيها منذ دخول العبد القبر الى يوم القيامة وما فيه من اهوال كل هذا لا بد فيه من لجوء الى الله عز وجل حتى يسلم العبد من اهوالها ويدخل بفضل ربه ورحمته واسع رحمته وجنته فمن اعظم فتن الآخرة فتنة القبر حتى يسأل العبد عن ربه ودينه ونبيه (صلى الله عليه وسلم) فان كان مستقيماً على منهج الله تعالى نجا وتكلم بما يرضي الرحمن وان كان مفرطاً نفسه باء بالخسران وتكلم بالكفران نعوذ به تعالى من الخذلان. ظالماً لنفسه باء بالخسران وتكلم بالكفران نعوذ به تعالى من الخذلان. ولهذا ثبت في الحديث الصحيح ان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يستعيذ من عذاب القبر فيقول: (واعوذ بك من عذاب القبر) وما ذاك الا لان للقبر فتنة لا ينجو منها الا امرؤ صالح مستقيم. وفتنة المسيح الدجال فتنة من اعظم الفتن التي ستمر بالانسان قبيل قيام الساعة، لانه من علامات الساعة الكبرى واذا ظهر المسيح الدجال فقد قرب قيام الساعة وازف تحول الدنيا المهم. الذي اريد بيانه هنا هو انه لا يمكن النجاة من هذه الفتنة الا باللجوء الى الله عز وجل ولهذا كان نبي الله (صلى الله عليه وسلم) يستعيذ بالله تعالى من فتنة الدجال فيقول: (واعوذ بك من فتنة المسيح الدجال). وثبت في الحديث الصحيح ان من قرأ العشر الاوائل من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال كما قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) (من قرأ عشر آيات من اول سورة الكهف عُصم من الدجال) وفي رواية (من قرأ العشر الاواخر من سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال). وسر العصمة من الدجال لمن قرأ اوائل سورة الكهف او اواخرها- والله اعلم- ان فيهما لجوءاً واعتصاماً بالله (عز وجل) كما ان الحقائق التي جاءت في اولها وآخرها حقائق عظيمة من قرأها متدبراً فان الكذابين لا يستطيعون ان يموهوا عليه وعلى رأسهم المسيح الدجال. ومن فتنة الآخرة فتنة عذاب جهنم- اعاذنا الله منها- وكفى بها فتنة وعذاباً ولهذا حثنا الله تعالى في القرآن على الاستفادة من عذاب جهنم عندما ذكر سبحانه ان من صفات عباده الصالحين انهم يدعون ربهم سبحانه ان ينجيهم من النار وعذابها قال سبحانه وتعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب حهنم ان عذابها كان غراما* انها ساءت مستقرا ومقاما). وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من جهنم وعذابها فيقول كما ثبت في الحديث الصحيح (اللهم اني اعوذ بك من الكسل والهرم، والماثم والمغرم، ومن فتنة القبر ومن فتنة النار وعذاب النار). والفتنة بقتال الكفار من اعظم الفتن التي تواجه المؤمنين في كل مكان وزمان ولهذا ذكر الله عز وجل عن المؤمنين من اصحاب طالوت عليه السلام لما لاقوا اعداءهم من جالوت وجنوده لجأوا الى الله تعالى بالدعاء قال سبحان الله: (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبراً وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين). ولنتأمل ايضاً لجوء ابراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام وقومهما من المؤمنين الى الله تعالى ودعاءهم اياه الا يجعلهم فتنة للذين كفروا فيسلطوا عليهم بالفتنة والصد عن سبيل الله قال عز وجل في شأن قوم موسى: (وقال موسى ياقوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين* فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين* ونجنا برحمتك من القوم الكافرين). وذكر جل وعلا عن ابراهيم وقومه المؤمنين انهم دعوا الله تعالى قائلين (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا انك انت العزيز الحكيم). وثبت في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى المشركين وهم الف واصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً فاستقبل نبي الله (صلى الله عليه وسلم) القبلة ثم مد يده فجعل يهتف بربه (اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم ان ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة من اهل الاسلام لا تعبد في الارض) فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه على منكبيه فاتاه ابو بكر فاخذ رداءه فالقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يانبي الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك فانزل الله عز وجل (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم اني ممدكم بالف من الملائكة مردفين) فامده الله بالملائكة. وهنا اود التنبيه الى امر غفل عنه كثير من المسلمين في هذا الزمان ذلكم هو اللجوء الى الله تعالى بالدعاء ان يكشف البلاء عن المؤمنين كالبنيان ان يكشف البلاء عنهم عاجلاً غير آجل اضافة الى المظلومين والمقهورين من ابناء الاسلام الصادقين ودعاته المخلصين في الارض كلها واننا اذا لم نفعل ذلك فلربما اتصفنا بصفة من صفات اعداء الله من الكافرين حيث قال عنهم (سبحانه وتعالى): (ولقد اخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون). ومن الفتن التي يجب ان يلجأ فيها الى الله تعالى بالدعاء فتنة الغرور والاعجاب بالنفس تلك الصفة التي قال الله عنها: (ولا تمش في الارض مرحاً انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا). ويغمر بذلك من كانت عليه واجبات تجاه دينه وامته من نشر علم ودعوة وجهاد ونحو ذلك بما يحتاجه المسلمون في هذا الزمان فهؤلاء لا بد ان يحذروا من هذه الفتنة بكثرة اللجوء الى الله تعالى والانكسار بين يديه الا يجعل اعمالهم من الاعمال التي قال عنها سبحانه وتعالى: (وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثورا). وان للعاملين في حقل الدعوة الى الله تعالى قدوة حسنة بنبي الهدى صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في دعائه (اللهم اني اعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم اعمل). فجعلناه هباءاً منثورا). وان للعاملين في حقل الدعوة الى الله تعالى قدوة حسنة بنبي الهدى صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في دعائه (اللهم اني اعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم اعمل). وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي ذل له شيطانه فما يستطيع ان يسلك طريقاً يسلكه عمر، وهذا الامام العادل مع فتوحاته المظفرة وانتصاراته العجيبة وعدله الذي اعترفت به العرب والعجم رغم هذا كله لم يتطرق الغرور الى قلبه طرفة عين ولم يقترب من نفسه مرة واحدة حتى انه لما طعن قال لابنه عبد الله كلاماً ستظل الاجيال تردده مهما طال الزمان قال لابنه عبد الله وكان رأسه على فخذ هذا الابن البار: ضع رأسي على الارض قال عبد الله: فقلت: وما عليك، كان على فخذي ام على الارض قال ضعه على الارض قال فوضعته على الارض، فقال عمر: ويلي وويل امي ان لم يرحمني ربي. وانظر معي الى حال شيخ الاسلام ابن تيمية (رحمه الله) ذلك العلم الرباني المجاهد الذي بلغ علمه الآفاق وانتشرت كتبه في كل مكان ولم يبق مؤمن في عصره والعصر الذي بعده الى اليوم الا وانتفع به وشهد له بالخير هذا الامام الذي اعترف بعلمه القاصي والداني كان يقول كثيراً: (ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء). وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: انا المكدّى وابن المكدّى وهكذا كان ابي وجدي وكان اذا اثني عليه في وجهه يقول: (والله اني الى الآن اجدد اسلامي، وما اسلمت بعد اسلاماً جيداً)، انها اعمال جليلة وصورة مشرقة من احوال سلفنا الكرام تعطي الدعاة الى الله تعالى زاداً يحملونه في مسيرتهم الطويلة الا يفتروا باعمالهم مهما بلغت وان يتذكروا انهم الى ربهم تعالى قادمون غداً، فمجزيون بتلك الاعمال فحذار ان يلقى الواحد منا ربه وفي قلبه عجب او غرور ولتكن هذه الآية الكريمة امام انظارنا دائماً وابداً: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). |