| في رحاب القيادة الربانية / القائد العابد   عدد القراء : 1754   . تعاني امتنا الاسلامية من ازمات عدة لعل من ابرزها واخطرها ازمة القيادة الربانية فلو القينا نظرة متأنية وواقعية لوجدنا ان القيادات التي تتبوأ الساحة السياسية اما غير مؤهلة شرعاً او وطنية واما مغيبة لضعف اعلامها او لمضايقة المحتل واذنابه لها لاستسلامها التام للجانب الامني، وقليل منها ثبت وانبرى. ولكن الدخن شديد اليوم امام اعين الناس وهم يتلمسون الطريق لاختيار القيادة التي تأخذ بأيديهم للفوز في الدارين. ولقد حدد لنا الامام علي (رضي الله عنه) قاعدة مهمة في معرفة الرجال اذ يقول: (اعرف الحق تعرف رجاله) ومن اوائل الامور التي تمحص فيها القيادة الربانية هي علاقتها بالله عز وجل. لقد بين الله سبحانه وتعالى ان احب الصفات في انبيائه ورسله اليه هي العبودية والتي تعني كمال الخضوع لله مع كمال المحبة له ولذلك خاطبهم بها في احب واعظم المواضع، واشرف المقامات، مقام التلقي ومقام الدعوة ومقام الاسراء ومقام التحدي. (الحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا)، (فاوحى الى عبده ما اوحى)، (وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا)، (سبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير). (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين). ان العبودية لله تشعر القائد مهما علت مرتبته وسمت منزلته بافتقاره الى الله تعالى، وتواضعه امام الرعية. والآن لننظر الى النبي القدوة والقائد العابد (عليه الصلاة والسلام) لنلتمس فيه الطريق لبناء واختيار القيادة العابدة. في البدء تشرف النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذه الصفة وحرص على ان يخاطب بها بين اصحابه يقول عليه الصلاة والسلام: (ايها الناس ما احب ان ترفعوني فوق منزلتي، انما انا عبد الله) رواه احمد، ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما اطرت النصارى المسيح ابن مريم انما انا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. فاذا انتقلنا الى عباداته فنقف اولاً عند صلاته التي كانت انيسه ومفزعه عند الشدائد يقول حذيفة (رضي الله عنه): (كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذا حزبه امر (اصابته شدة) صلى وفي رواية (فرغ الى الصلاة)) صحيح الجامع (47/3) وهي زاده في القتال، عن علي (رضي الله عنه) قال: (ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ولقد رأيتنا وما فينا الا نائم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى اصبح) رواه احمد. ويقول عليه الصلاة والسلام (حبب الي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه ابو داود والنسائي- صحيح الجامع 3124. وهي محط راحته وسكينته لذا كان يقول لبلال (رضي الله عنه) يابلال: اقم الصلاة، ارحنا بها (رواه ابو داود). ويقول ابن مسعود (رضي الله عنه) صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاطال، حتى هممت بأمر سوء، قال: قيل وما هممت به؟ قال هممت ان اجلس وادعه (متفق عليه)، وصلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى انتفخت قدماه. فقيل له: اتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: افلا اكون عبداً شكورا (متفق عليه). هذا قيامه واما بكاؤه وخشوعه فعن عبد الله بن الشخير (رضي الله عنه) قال: اتيت رسول الله وفي صدره ازيز كأزيز المرجل (القدر الذي يغلي) من البكاء (رواه ابو داود والترمذي). وقيل لعائشة (رضي الله عنها): (حدثينا باعجب شيء رأيتيه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: ياعائشة ذريني اتعبد لربي قالت: قلت: والله اني لاحب قربك واحب ما يسرك قالت فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بل الارض، وجاء بلال يؤذن للصلاة، فلما رآه يبكي قال: يارسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: افلا اكون عبداً شكورا، لقد نزلت عليّ الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر بها (ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب)) (آل عمران: 190) صحيح الجامع. وروى ابن ماجه في سننه: قام النبي (صلى الله عليه وسلم) بآية حتى اصبح يرددها: (ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم). هكذا هي صلاة القائد وهكذا قيامه وخشوعه فمن يتذلل هكذا امام الله عز وجل ويقوم بآية يطلب المغفرة لعباد الله احرى ان يرعى الامة ويتقي الله تعالى فيها. واما عن صيامه: فيقول ابو الدرداء (رضي الله عنه): خرجنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في بعض اسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم الا ما كان من النبي (صلى الله عليه وسلم) وابن رواحة متفق عليه، وكان ينهي عن الوصال قالوا انك تواصل: قال: اني لست مثلكم اني اطعم واسقى (متفق عليه). ان من يقتصد فيما احله له من الطيبات، ومن يعتاد الصوم افلا يشعر بحال امته ان اصابها جوع او قحط او شدة. ومن يعتاد عليه فلن تأسره بعد ذلك الملذات ولا تفتنه الاطايب. واما عن معاهدته القرآن فيقول احد الصحابة: يارسول الله: لقد ابطأت علينا الليلة؟ قال: (انه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت ان اخرج حتى اتمه. والذي يحمل لواء الدعوة وراية الاصلاح اولى الناس بان يهتم بنفسه وتربيتها، وصلتها بالله عز وجل واولاهم بان ياخذ الزاد في سفره الى الله والدار الآخرة. وما تقرب الى الله بافضل من تلاوة كتابه والوقوف عند معانيه وحدوده، فحري بنا ان نضرب من ذلك بسهم وافر، ومن رحمة الله بعباده وفضله عليهم: ان شرع لهم ما يتعبدون به اليه سبحانه. واما عن انفاقه وجوده يقول ابن عباس رضي الله عنه (كان النبي صلى الله عليه وسلم اجود الناس). آثار القيادة العابدة 1. استشعار عظمة الله وقدرته في كل الاحيان والاحوال مما يؤثر ايجابيا في سلوك القائد وعلاقته برعيته. 2. ان العبودية تجعل القائد يخشى الله وحده ولا يخشى أحدا سواه مهما كانت مكانته او منزلته وهذا يثمر في نفسية القائد قوة تدفعه الى عدم الخضوع او المداهنة لقوى الشر (فلا تخشوا الناس واخشون ولاتشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . 3. ان تنوع أشكال العبودية بما يستوعب كافة القوى لدى القائد من عقلية او بدنية او عاطفية او مالية او اجتماعية تجعله يراعي كل هذه الجوانب مع رعيته وأبناء أمته ويستشعر كل معاناتهم فلا يهتم بجانب ويغفل عن آخر فالبناء المتكامل يثمر عطاء ً متكاملا. 4. ان التذلل لله وحده بالعبودية يصاحبه تواضع للرعية والتذلل لهم مما يجنب القائد كل امراض الاستعلاء من كبر وطغيان وظلم (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). 5. ان تسلط القائد على أبناء أمته لايعني أنه يستعبدهم ويمتلكهم أنما هو مؤثر فيهم مسؤول عن تلبية احتياجاتهم ( ولاتمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى). هذا ميراث النبي (صلى الله عليه وسلم) للقادة فمن أخذ به انتصر ومن ضيعه أضاع نفسه والبلاد. |