لمحات مضيئة من سيرة الصحابة   عدد القراء : 1507   .

الساعي وراء الحقيقة، والسائل عن الله
ان لسلمان (رضي الله عنه) قصة من روائع القصص في النضال والجهاد من اجل اطمئنان القلب واستقرار الايمان في النفس فقد كان قبل ذلك فتى فارسياً من اهل أصبهان من قرية يقال لها (جيان) وكان ابوه رئيس القرية واغنى اهلها غناً واعلاهم منزلة وكان سلمان احب خلق الله إليه منذ ولد ومن شدة حبه له كان يحبسه في البيت خشية عليه كما تحبس الفتيات.
وقد اجتهد سلمان في المجوسية حتى اصبح قيم النار التي كان يعبدها الفرس آنذاك وأوكل إليه أمر اضرامها حتى لا تخبو ساعة في ليل أو نهار.
وذات مرة شغل اباه عن الذهاب الى القرية شاغل فقال له: يا بني اني قد شغلني شاغل عن القرية فاذهب اليها وتول اليوم عني شأنها.
فلنترك لسلمان نفسه المجال ليروي لنا احداث قصته... فشعوره بها اعمق  وروايته لها ادق واصدق..
قال سلمان: فخرجت اقصد ضيعتنا وفيما انا في بعض الطريق مررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت اصواتهم فيها وهم يصلون فلفت ذلك انتباهي...
لم اكن اعرف شيئاً من امر النصارى او امر غيرهم من اصحاب الاديان لطول ما حجبني ابي عن الناس في بيتنا فلما سمعت اصواتهم دخلت عليهم لانظر ما يصنعون فلما تأملتهم اعجبتني صلاتهم ورغبت في دينهم وقلت: والله هذا خيرٌ من الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، ولم اذهب الى ضيعة ابي.ثم اني سألتهم: أين أصلُ هذا الدين؟ قالوا: في بلاد الشام. ولما أقبل الليل عدت الى بيتنا فتلقاني ابي يسألني عما صنعت فقلت: يا ابتي اني مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، وما زلت عندهم حتى غربت الشمس فدُعر ابي مما صنعت وقال: أي بني ليس في ذلك الدين خيرٌ.. دينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله ان دينهم لخير من ديننا فخاف أبي مما أقول وخشي أن أرتد عن ديني وحبسني بالبيت ووضع قيداً في رجلي.
الهارب إلى الحق
يقول سلمان: ولما اتيحت لي الفرصة بعثت الى النصارى أقول لهم: اذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب الى بلاد الشام فأعلموني. فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجهٌ إلى الشام فأخبروني به فاحتلتُ على قيدي حتى حللتهُ وخرجت معهم متخفياً حتى بلغنا بلاد الشام.
فلما نزلنا فيها، قلت من افضل رجلٍ من أهل هذا الدين؟ قالوا: الاسقف راعي الكنيسة فجئته فقلت: إني رغبت في النصرانية، واحببت ان الزمك واخدمك واتعلم منك واصلي معك.
فقال: أدخل، فدخلت عندهُ وجعلتُ اخدمه. ثم ما لبثت ان عرفت أن الرجل رجل سوءٍ فقد كان يأمر اتباعه بالصدقة ويُرغبهم بثوابها فاذا اعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه ولم يعط الفقراء والمساكين منه شيئاً حتى جمع سبع قلالٍ من الذهب.
فابغضته بغضاً شديداً لما رايته منه ثم ما لبث ان مات فاجتمعت النصارى لدفنه فقلت لهم: ان صاحبكم كان رجل سوءٍ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فاذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئاً قالوا: من اين عرفت ذلك؟ قلت: انا ادلكم على كنزه. قالوا: نعم دُلنا عليه، فأريتهم موضعهُ فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وفضة فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة.
ثم إنه لم يمض غير قليل حتى نصبوا رجلاً آخر مكانهُ فلزمته، فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا ولا ارغب منه في الآخرة، ولا أدب منه على العبادة ليلا ونهاراً فأحببته حباً جماً وأقمت معه زماناً فلما حضرته الوفاة قلت لهُ يا فلان الى من توصي بي ومع من تنصحني ان أكون من بعدك؟ فقال: أي بني، لا اعلم أحداً على ما كنت عليه إلا رجلاً بالموصل هو فلان لم يُحرف ولم يُبدل فالحق به، فلما مات صاحبي لحقت بالرجل في الموصل فلما قدمتُ عليه قصصتُ عليه خبري وقلت له: إن فلانا أوصاني عند موته ان الحق بك واخبرني انك متمسك بما كان عليه من الحق. فقال: اقم عندي فوجدته على خير حالٍ.
ثم إنه لم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاةُ قلت له:يا فلان لقد جاءك من امر الله ما ترى وانت تعلم من امري ما تعلم فالى من توصي بي؟ ومن تأمرني باللحاق به؟ فقال: اي بني والله ما اعلم ان رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به. فلما غُيب الرجل في لحده لحقت بصاحب نصيبين واخبرته خبري وما امرني به صاحبي فقال لي:
أقم عندنا، فأقمت عندهُ فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير فوالله ما لبث ان نزل به الموت فلما حضرته الوفاة قلت له: لقد لقد عرفت من امري ما عرفت فإلى من توصي بي؟ فقال: اي بني والله اني ما اعلم احداً بقي على امرنا الا رجلاً بعمورية هو فلان فالحق به فلحقت به واخبرته خبري فقال: اقم عندي فأقمت عند رجل كان- والله- على هدى اصحابه وقد اكتسبت وانا عنده بقراتٍ وغنيمةً.
ثم ما لبث ان نزل به ما نزل بأصحابه من أمر الله فلما حضرته الوفاة قلت له: إنك تعلم من امري ما تعلم فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني ان افعل؟ فقال: يا بني- والله- ما اعلم ان هناك احداً من الناس بقي على ظهر الارض مستمسكا بما كنا عليه.. ولكنه قد اظل زمان يخرج فيه بأرض العرب نبي يبعث بدين إبراهيم ثم يهاجر من ارضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين وله علامات يعرفُ لا تخفى فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت ان تلحق بتلك البلاد فافعل ثم وافاه الاجل فمكثت بعده بعمورية زمنا إلى أن مر بها نفر من تجار العرب من قبيلة (كلب) فقلت لهم: إن حملتموني معكم الى ارض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي فقالوا: نعم نحملك، فأعطيتهم اياها وحملوني معهم حتى اذا بلغنا وادي القرى غدروا بي وباعوني لرجل من اليهود فالتحقت بخدمته، ثم ما لبثت أن زاره ابن عم له من بني قريظة فاشتراني منه ونقلني معه إلى يثرب فرايت النخل الذي ذكره لي صاحبي بعمورية وعرفت المدينة بالوصف الذي نعتها به فاقمت بها معه.
وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) حينئذ يدعو قومه في مكة لكنني لم اسمع له بذكر لانشغالي بما يوجبه عليّ الرق.
سلمان يلتقي بخاتم الأنبياء والمرسلين
ثم ما لبث ان هاجر الرسول (صلى الله عليه وسلم) الى يثرب فو الله إني لفي رأس نخلة لسيدي أعمل فيها بعض العمل وسيدي جالس تحتها اذ اقبل عليه ابن عم له وقال له: قاتل الله بني (قيلة) والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي. فما ان سمعت مقالته حتى مسني ما يشبه الحمى واضطربت اضطرابا شديداً حتى خشيت ان اسقط على سيدي، وبادرت إلى النزول عن النخلة، وجعلت اقول للرجل: ماذا تقول؟ أعد علي الخبر.. فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدةً وقال لي: مالك ولهذا؟ عُد إلى ما كنت فيه من عملك.
ولما كان المساء أخذت شيئاً من تمرٍ كنتُ جمعته وتوجهت به إلى حيث ينزل الرسول (صلى الله عليه وسلم) فدخلت عليه وقلت: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرايتكم أحق به من غيركم ثم قربته إليه فقال لأصحابه:(كلوا..) وأمسك يدهُ فلم يأكل
فقلت في نفسي: هذه واحدةٌ ثم انصرفت واخذت اجمع بعض التمر فلما تحول الرسول (صلى الله عليه وسلم) من قباء الى المدينة جئته فقلت لهُ: إني رايتك لا تاكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها فاكل منها وامر اصحابه فأكلوا معه فقلت في نفسي. هذه الثانية...
ثم جئت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببقيع الغرقد حيث كان يواري احد اصحابه فرأيته جالساً وعليه شملتان فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره لعلي أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي في عمورية. فلما رآني النبي (صلى الله عليه وسلم)أنظر إلى ظهره عرف  غرضي فألقى رداءه عن ظهره فنظرت فرأيت الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (ما خبرك؟) فقصصت عليه قصتي فأعجب بها وسرهُ أن يسمعها أصحابه مني فأسمعتهم إياها فعجبوا منها أشد العجب وسروا بها أعظم السرور فسلام على سلمان الفارسي يوم قام يبحث عن الحق في كل مكان ..
وسلام على سلمان الفارسي يوم عرف الحق فآمن به أوثق الأيمان..
وسلام عليه يوم مات ويوم يبعث حياً.