بوش.. طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية   عدد القراء : 1761   .

كثرت الكتابة في الصحافة الامريكية عن الخلفية الدينية المؤطرة لتفكير الرئيس بوش فقد اعدت مجلة (نيوزويك) الامريكية ملفاً في عددها ليوم (2003/3/10) عن الاعتقادات الدينية التي تدفع بوش الى سلوكه السياسي والعسكري الحالي وكيف ركب بوش موجة الاصولية البروتستانتية الصاعدة، وهو احد ابنائها، ليقود امريكا في مغامرات يطغى فيها الحماس الديني على البصيرة السياسية.
يتألف الملف من ثلاثة مقالات، احداها - وهي الاطول والاعمق- بعنوان (بوش والرب) بقلم هاوارد فاينمان احد كتّاب المجلة والثانية بعنوان (خطيئة التكبر) بقلم البروفيسور مارتن مارتي وهو قسيس واستاذ بجامعة شيكاغو ترأس الجمعية التاريخية الكاثولوكية في امريكا سابقاً، اما الثالثة فهي بعنوان (البيت الابيض: انجيل على نهر البوتوماك) وهي بقلم كينيث ووداورد من كتاب نيوزويك.
كما نشرت صحيفة الـ (واشنطن بوست) عن الموضوع من قبل مقالاً بعنوان (بالنسبة لبوش) انه الاحساس بالتاريخ والمصير يوم 2003/3/9 وآخر بعنوان (عن الرب والانسان في المكتب البيضاوي) بقلم القسيس فريتس ريتسيش يوم 2003/3/2 وهو مقال تحليلي عميق تناول المنطق الداخلي لفلسفة بوش الدينية وآثارها السلبية على امريكا بلداً وعلى المسيحية ديناً.
واذا كان العديد من الامريكيين بدأوا يدركون المخاطر المترتبة على سياسات بوش التي تؤطرها رؤية دينية متحمسة، دون اعتبار للمصالح البعيدة المدى للامة الامريكية ولمطالب الضمائر الانسانية في كل مكان، فان الانسان العربي والمسلم اولى بالاطلاع على خلفيات هذه السياسات التي ترسم بدمه، وعلى وجه صحرائه النقي.
من مقارعة الخمر إلى الأصولية المسيحية
الرجل الذي اثر في حياة بوش الدينية هو القسيس (بيل غراهام) الذي قال عنه بوش (انه الرجل الذي قادني الى الرب) وغراهام هو ابرز وجوه اليمين المسيحي الصهيوني في امريكا.. وقد سمع العرب والمسلمون عن (غراهام وابنه فرانكلين)
بسبب تهجماتهما على الاسلام ووصفه بشتى الاوصاف المشينة.
ولد بوش لابوين متدينين هما جورج بوش الاب وباربارا بوش في ولاية كونيتيكت الامريكية عام 1946، وانتقل به ابواه وهو صبي الى ولاية تكساس التي اصبحت موطنه ومكان صعود نجمه السياسي، لكن بوش الشاب لم يسر في البداية على خطى ابويه المتدينين بل كان مدمناً على الخمر حتى سبب اكثر من ازعاج لزوجته (لورا) التي كانت صاحبة الفضل في اقناعه بالكف عن الشراب، والاخذ بيده الى الكنيسة التي اعتادت الذهاب اليها.
وقد ذكر بوش في حملة الانتخابات الرئاسية الماضية انه يبدأ حياته كل يوم بقراءة في الانجيل، او الاصح في الكتاب المقدس الذي يشمل الانجيل والتوراة العبرانية ومن كتبه المفضلة التي يقرؤهايوميا في البيت الابيض -طبقا لنيوزويك- كتاب للقسيس اوزوالاد شامبرزالذي مات في مصر عام 1917وهو يعظ الجنود البريطانيين والاستراليين هناك بالزحف على القدس وانتزاعها من المسلمين.
لكن ما يهمنا هنا اكثر هو التعبير السياسي لهذه الخلفية الدينية. وفي هذا السياق تحسن الإشارة الى ان امتزاج الدين والسياسة في شخصية الرئيس بوش لم يسفر عن وجهه إلا في العام 1988 حينما بدأ بوش المشاركة في حملة ابيه الانتخابية الرئاسية وقد اوكل اليه أبوه تولي ملف العلاقات بالقسيس والوعاظ المسيحيين وتعبئتهم للتصويت له فكانت هذه أول مرة اكتشف فيها بوش الشاب القوة الدينية اليمينية الصاعدة خصوصا في الجنوب الامريكي وكانت فراسة صائبة فقد سيطرت تلك المجموعات فيما بعد على الحزب الجمهوري وتحولت الى قوة سياسية ضاربة استفادت منها بوش في تقلد منصب حاكم ولاية تكساس ثم في انتخابه رئيسا فيما بعد.
مكانة بوش على الخريطة الدينية الأمريكية
وتتسم الخريطة الدينية للولايات المتحدة بشيء من التعقيد فلا يمكن رسم حدودها وبيان مكانة بوش فيها بشكل مفصل في هذا المقال لكن يمكن القول اجمالا إن انصار بوش هم في الغالب الاعم من البيض البروتستانت وممن ينتمون للكنيسة المعمدانية او الكنيسة المنهجية التي ينتمي اليها بوش، اما الكنيسة الكاثوليكية التي يقدر اتباعها بحوالي 60مليون شخصاً فلا تربطها علاقة ود بالرئيس بوش لاسباب سياسية ودينية وتاريخية كثيرة لكن اغلب اليهود الامريكيين بمختلف طوائفهم المتدينة والليبرالية يؤيدونه بقوة في سياساته في فلسطين وفي العراق بل يمكن القول بدون مبالغة انهم صائغو تلك السياسة.
وقد تحدث كثيرون عن مجموعة ريتشارد بيرل وزملائه في (معهد الاستراتيجيات المتقدمة والدراسات السياسية) الذين هم اصل فكرة غزو العراق فقد اعد ريتشارد بيرل منذ أعوام ضمن فريق ترأسه من مثقفي اليهود الامريكيين دراسة عن الاستراتيجية الاسرائيلية الى العام 2000 قدموها الى بنيامين نتنياهو فور نجاحه في الانتخابات الاسرائيلية ودعوا فيها الى دفع امريكا  الى غزو العراق باعتبار ذلك جزءا محوريا من الاستراتيجية الاسرائيلية لاستمرار التفوق العسكري والاستراتيجي في الامد المنظور كما دعوا الى انتهاج سياسة هجومية عدائية ضد الفلسطينيين والتخلي عن فكرة (السلام الشامل) لصالح فكرة (السلام القائم على ميزان القوى) وقد رأينا كيف بدأت هذه الاستراتيجية في التعاطي مع الفلسطينيين والان يبدو ان البند المتعلق بالعراق من تلك الوثيقة قد دخل حيز التطبيق.
وقد ورد في سيرة حياة ريتشارد بيرل الذي ترأس فريق الدراسة آنذاك أنه عمل عضوا في مجلس إدارة المعهد اليهودي لدراسات الامن القومي ومديراً لصحيفة (الجروسالم بوست) الاسرائيلية لكن الأهم والأغرب أنه اليوم يترأس مجلس سياسات الدفاع في الولايات المتحدة ويعمل مستشاراً  لوزيرالدفاع دونالد رامسفيلد مع العديد من اليهود الامريكيين المحيطين بوزير الدفاع الامريكي وليس اقلهم شأنا نائب الوزير بول وولفويتز.
 
وقد قدمت قناة الـ (سي ان ان) ريتشارد بيرل في مقابلة معه على أنه الرجل الذي ينظر إليه باعتباره صاحب فكرة غزو العراق ولا يترك (افرايم كام) الباحث في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية بجامعة تل ابيب شكا في ان اسرائيل هي صاحبة المصلحة الاولى والاخيرة في غزو العراق وذلك في دراسة له منشورة الشهر المنصرم بعنوان (صبيحة ما بعد صدام؟) لكن ما هي علاقة كل ذلك بتدين جورج بوش؟.
الحق ان العلاقة وطيدة لأن اليمين المسيحي الذي ينتمي إليه جورج بوش يؤمن بأن اسرائيل مشروع إلهي ومحطة تأريخية لازمة لعودة المسيح وكل رجال الدين الاقوياء الذين يقفون وراء بوش ويمثلون القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري معروفون بولائهم لإسرائيل في عقائدهم ومشاعرهم، وهذا المعتقد الديني الراسخ هو الذي يجعل رجلا مثل بوش يتبنى الخطة الاسرائيلية لغزو العراق حتى ولو عنى ذلك اشعال الحرب مع العالم الاسلامي وانهيار العلاقات التاريخية بأوروبا.
جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش
وقد لاحظ كثيرون اثر الدين في رؤية بوش السياسية الحالية وقد قال في حديث للمذيعين الدينيين مؤخرا (ان الارهابيين يمقتوننا لاننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة) كما يكثر في احاديثه وخطاباته ايراد المصطلحات الدينية فهو كثير الحديث عن (الرب) وعن الصراع بين الخير والشر، وما مصطلح محور الشر الا مثال واحد على ذلك.
وقد لاحظ احد الكتاب ان بوش يفضل استخدام مصطلح (الحرية) على مصطلح (الديمقراطية)، وان الحرية في عرف بوش ذات مدلول ديني، فهي ليست حرية الخيار السياسي بالضرورة، بل حرية اكتشاف الرب بكل المدلول المسيحي التبشيري لذلك.
وذكرت مجلة نيوزويك ان انصار بوش من الانجيليين يأملون ان تكون الحرب على العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد (نيوزويك 2003/3/10).
كما يشير موقع القس بيلي غراهام على الانترنت - وهو الاب الروحي للرئيس بوش- الى الجوع الروحي في العراق في الوقت الحاضر، ولذلك مدلوله الخاص في السياق الحالي.
ويميل الرئيس بوش الى اعتماد البرامج الاقتصادية والاجتماعية، التي ترسخ الدين المسيحي في المجتمع الامريكي وفي العالم، ومن امثلة ذلك داخلياً، تخصيصه بنداً من الميزانية لتمويل المؤسسات التربوية والاجتماعية الدينية من كنائس ومدارس دينية وغيرها، وهي سابقة في تاريخ الولايات المتحدة اعتبرها كثيرون بداية النهاية للموقف الحيادي من الدين الذي يلزم الدستور الامريكي الحكومة به، اما خارجياً فمن امثلة ذلك تخصيص بوش (15) مليار دولار لمكافحة الايدز في افريقيا، وهو برنامج يحمل مضموناً تبشيرياً ايضاً، فقد ورد في نيوزويك ان خلفاء بوش من الحركة الانجيلية يطمحون الى استعمال تلك الاموال في نشر المسيحية في افريقيا.
ويشير الكاتب الصحفي بوب وودوارد في كتابه الجديد (بوش في الحربBush at War) الى قصة ظريفة تكشف عن جانب من جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش. فقد حكى بوش للكاتب في احدى مقابلاته معه اثناء اعداد الكتاب قصة لقائه الاول مع الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) يوم 2001/6/19 يقول بوش: (دخل الرئيس بوتين وجلس وحضر المترجم واراد بوتين ان يبدا الكلام لكني بادرته بالقول: السيد الرئيس.. ضعني ابدأ بالاشارة الى امر لفت انتباهي، وهو ان والدتك اعطتك صليباً، وانكم باركتم ذلك الصليب في اسرائيل، الارض المقدسة فقال: صحيح. فقلت: ان هذا الامر يثير عجبي لانك كنت شيوعياً وضابطاً في (الكي بي جي) ومع ذلك كنت راغباً في حمل الصليب، ان هذا الامر بالنسبة لي يحمل من المعنى اكثر مما تحمله مجلدات). ثم يضيف بوش: (... وبدأ بوتين يتحدث عن ديون روسيا... لكني كنت مهتماً اكثر بمعرفة هذا الرجل (بوتين) الذي عليّ ان اتعامل معه، ولهذا اردت التأكد من صحة قصة الصليب) (بوش في الحرب ص119-120).