| هل الديمقراطية تعني اختزال وضمور القيم الدينية والأخلاقية والوطنية؟!   عدد القراء : 1417   . لو اننا تتبعنا وبتمحيص وصدق صفحات التاريخ العربي والاسلامي وحتى الاممي عن كيفية نشوء وظهور الديمقراطية السياسية والفكرية المحدودة منها والمطلقة، واجرينا دراسة مقارنة صادقة وشمولية مع ما يجري اليوم على الساحة العراقية الجريحة لاصابنا كما اصاب غيرنا من الباحثين (مرض الشلل الفكري) وانتابنا اليأس المميت نتيجة ما نراه ونتحسسه ونتعامل معه اليوم على الساحة العراقية. فلو اخذنا بتعاليم الاسلام السماوية وما ورد فيها من آيات التخصيص والامر (وشاورهم في الامر) (وامرهم شورى بينهم) واسترشدنا بالسنة النبوية المطهرة لوجدنا ان هناك اكثر من اشارة وتبيان لظهور بواكير التشاور والتباحث منذ الايام الاولى للبعثة النبوية المطهرة.. وكذا الحال في معظم عقود وسنوات الخلافتين الاموية والعباسية الاسلاميتين ولكون الغرب الرأسمالي المسيحي (يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة) ولضيق الصفحات هنا فسوف نترك بحثنا هذا جانباً.. ونعرج على التجارب الغربية الاوروبية الحديثة عسى (ان نستفيد منها بعض الاحزاب الحاكمة الآن وتراجع حساباتها بالكامل). فلو اننا تدارسنا التجربة الامريكية الحديثة للاعوام 1885-1915 اي فترة حكم الرؤساء لينكولن وجيفرسون وجورج واشنطن نجد ان كل هؤلاء لم ولن (يتخلوا عن مسيحيتهم ولا عن امريكيتهم) وحينما نتدارس الخلاف العقائدي الكبير بين لينين قائد البلاشفة الشيوعيين وتروتسكي منظّر الحزب الاحمر الروسي نجد انهما قد اختلفا في كل شيء الا قضية واحدة الا وهي (روسيتهم) بل ان كلاهما ابدى استعداده للتنازل عن آرائه لاجل (روسيا) ومستقبلها وسمعتها.. واكبر الادلة في هذا المجال واكثرها وضوحاً هي التجربة الديغولية في فرنسا.. فحينما كانت فرنسا بالكامل ترزح تحت ظل الاحتلال الالماني النازي.. اعلن ديغول تشكيل قياداته العسكرية وخلايا المقاومة الشعبية لطرد الالمان وكان ديغول يتلقى الدعم العسكري والمالي والمعنوي من الحلفاء (امريكا- بريطانيا- الاتحاد السوفيتي) وحينما انتهت الحرب الكونية الثانية 1945 وانهزم الالمان في كل الجبهات وتحررت فرنسا قال ديغول (انه يشكر الذين ساعدوه وانه آن الاوان لفرنسا ان تحكم نفسها من جديد) وقد فشلت كل المحاولات الامريكية والبريطانية للضغط على ديغول وفرنسا لجعلها تدور في فلك الدول المنتصرة (الحلفاء).. بل ان ديغول ورفاقه العسكريين رفضوا حتى منح اي قاعدة عسكرية داخل فرنسا لامريكا او بريطانيا.. ولكن ماذا يحدث الآن في العراق؟ ولماذا هذا (السلوك الانهزامي) والاستعانة بالاجنبي الى الحد الذي دفع احد قادة الاحزاب (المستوردة) الى القول اثناء لقائه باحدى الفضائيات (حتى لو ان امريكا تدعي انها دولة محتلة فانه وحزبه يرى انها غير محتلة). وصحيفة محلية اخرى تنطق بلسان احد الاحزاب الكبرى تقول متفاخرة (لقد امتزج الدم العراقي بالدم الامريكي في عملية تحرير الفلوجة) وسياسي آخر يقول متفاخراً (ان قوات الحرس الوطني تندفع قبل القوات الامريكية في مناطق اليوسفية واللطيفية وذلك حفاظاً على ارواح الاصدقاء الامريكان). وآخر يقول لزميل له في الوزارة وامام الملأ (ليس من حقك مهاجمة ايران اعلامياً وتترك الارهابيين يسرحون ويمرحون) وكأن لسان الحال يقول ان دم كل العراقيين لا يساوي عنده جرح مشاعر ايران السياسية.. ويبدو انه حتى (المؤسسة السياسية الامريكية) الجمهورية الحالية وهي ادارة (صقور) بالكامل حسب التوصيفات الامريكية.. نقول انه حتى مسؤولي هذه الادارة (اصبحوا متعجبين وحائرين) من درجة الولاء السياسي لهذه الاحزاب والتيارات لقوات الاحتلال الانكلو- سكسوني مما دفع السيناتور الديمقراطي كيري يسأل الوزيرة رايس عشية تنصيبها لمنصب وزيرة الخارجية السؤال التالي (هل انتِ متأكدة من كون قادة هذه الاحزاب العراقية يمثلون الشعب العراقي).. وانا وبعض الباحثين نتساءل هل البحث عن الديمقراطية الامريكية يمر من خلال التنازل عن الثوابت الدينية والاخلاقية والوطنية.. بل بيع العراق بكامل ارضه وتاريخه وحضارته وكنوزه وشعبه في سوق النخاسة الغربي.. ان الامبراطورية العثمانية الاسلامية الكبرى حينما خسرت حربها العالمية الاولى 1914-1918 امام كل من بريطانيا- فرنسا- روسيا وتحركت المؤسسة العسكرية التركية باتجاه العلمانية لم يتنازل مصطفى كمال اتاتورك عن تركيته ولا حتى رفاقه الاتراك العسكريين عن سمعة وهيبة دولتهم تركيا. وحينما تعرضت منطقة المحيط الهندي الى اسوأ كارثة طبيعية (تسونامي) وقتل الالاف وشرد مثلهم وانهارت اقتصاديات دول بالكامل ومن ضمنها الهند ذات المليار نسمة غالبيتهم من الفقراء الجائعين رفضت الدولة الهندية استلام صندوق واحد من المساعدات الدولية حينما احست واستشعرت ان هذه المساعدات والاعانات قد يفقدها قرارها الوطني المستقل.. او يقلل من هيبتها.. فاين احزابنا ومثقفونا ومفكرونا من كل ما يجري حولنا.. كيف نسمح لعراقيتنا واخلاقنا وقيمنا تذل يومياً دون حتى ان ندين ذلك.. بل على العكس هناك اليوم بيننا من يعلن عن سعادته الكاملة والغامرة حينما يعلم من ان جنود الاحتلال الامريكي الاوباش يقتلون الرجال ويغتصبون النساء ويدوسون بارجلهم القذرة على كتاب الله القرآن الكريم كما حصل في معتقل (بوكا) في البصرة وجامع الفردوس في العامرية. قبل ايام قلائل التقيت باحد الباحثين المنصفين الاتراك وهو مسلم وبعد حوار طويل بدأ يبكي وبكيت انا معه.. وبكت زوجتي ووالدتي.. فقد بكى هذا التركي حينما سمع قصة احد الشيوخ العراقيين الذي ذهب الى سجن ابي غريب لمقابلة ولده المعتقل هناك منذ عشرة شهور وحين وصوله الباب علم ان ابنه قد (مات شهيداً) اثناء التعذيب الوحشي الهمجي من قبل ضباط (CIA، MIBI) الامريكية- البريطانية وحينما استبد الحزن بهذا الشيخ رمى بنفسه مع الحاجيات التي كان يريد احضارها لولده تحت عجلات سيارة كبيرة مسرعة فاختلط دم هذا الشيخ مع اكياس المواد التي احضرها لولده الشهيد.. وبعد ان جفف دموعه هذا التركي سألني سؤالاً قاتلاً لهويتي العراقية حينما قال (هل الحكومة العراقية تعلم بهذه الحادثة المرعبة؟).. وبصريح العبارة اجبته ان الحكومة الحالية لا يهمها دماء العراقيين وشرفهم بقدر ما يهمها (سمعة جيش الاحتلال الامريكي في العراق والتغطية على كل جرائم الجيش البوهيمي). ان امريكا وبعض الاحزب (المستوردة) تريد محاكمة النظام السابق بسبب الانتهاكات الخطيرة لهذا النظام لكل مبادئ حقوق الانسان المتعارف عليها دولياً ولكن ما يحدث الآن من قتل وترويع وبطش وتهجير ونسف منازل واعتقالات بالجملة وتكسير الاطراف من قبل قوات الاحتلال (يفوق جرائم النظام السابق اضعافاً مضاعفة).. ولم نسمع ان هناك حزباً او تجمعاً سياسياً دخل بغداد مع الارتال الامريكية قد استنكر او ادان هذه الجرائم الوحشية.. هل عجزنا نحن العراقيين ان نكون مثل جيفرسون الامريكي وديغول الفرنسي واتاتورك التركي وفاجياي الهندي.. الم يعلم هؤلاء الحاكمون اليوم ان التاريخ الحضاري للشعوب لم ولن يرحم (الخونة والجواسيس) وكما يثبت ذلك في دراسات الامام الغزالي وابن خلدون وجان جاك روسو وانولد توينبي.. الم يعلم هؤلاء ان امريكا حينما تخلت عن رضا بهلوي وبينوشيه ونواز شريف وحتى شاوشيسكو اليهودي من الطبيعي جداً ان تتخلى عن آخرين مثلهم حينما تستشعر ان هؤلاء غير قادرين على تنفيذ مصالحها الاستراتيجية قطرياً واقليمياً بالكامل. ان امريكا لا يهمها انت من تكون ولكن الذي تبحث عنه دائماً ماذا تقدم لها. ان حياة الشعوب وتطلعاتها الوطنية والقومية لا يتحكم بها من يبيع هذه الارادات الجماهيرية الصادقة بل يتحكم بها ويقودها من يمثلها اصدق واشرف وانبل تمثيل.. ان امة انجبت الرسول الخاتم (صلى الله عليه وسلم) والامام علي (رضي الله عنه) وابن حنبل وابن تيمية والغزالي وابن رشد والخوارزمي وابن سينا وابا حنيفة النعمان وابن خلدون.. لا يمكن ان تسمح الارادة الالهية ولا حتى الحتمية التاريخية ان يخلفها (كومة انهزاميين) تخلوا عن كل القيم السماوية والارضية وارتضوا بالذلة والتبعية. ان امة تمتلك من التراث الحضاري والفكري والمعرفي ما لم تمتلكه كل امم الارض مجتمعة سوف لن تبقى تختزن بين اضلاعها حفنة من (المرتزقة المؤدلجين غربياً وكنائسياً) بل ستنفرهم بعيداً عن ارضها الطاهرة ليبدأ من جديد عصر النهضة والاخلاق والعلم تحت امرة اناس لا تأخذهم في الحق لومة لائم.. ولا يسعون لارضاء (عشرة دوانغ ستريت) ولا ناطحات سحاب مانهاتن ولا حتى عين العطف من حزقيل ومردوخ وشالوم في تل ابيب. ان امة عبد القادر الكيلاني واحمد الرفاعي ومعروف الكرخي لن ترهبها دبابات الابراهام ولا طائرات الاباتشي ولا حتى القنبلة النووية الاسرائيلية. ان قدر امة الاسلام والعرب هو قدر (سماوي) انصاعت له القوانين الوضعية الارضية مثلما تربى النبي موسى (عليه السلام) بدار فرعون المتكبر الذي يبحث عنه ليل نهار ليقتله. ومثلما قال الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريغان عشية تنصيبه لولاية ثانية عام 1984 (نحن قدرنا كأمريكيين ان نقود العالم، وهذا القدر لم نختاره نحن، بل هناك ارادة خفية اوجدته). نقول له: (نحن قدرنا ان ننشر الفضيلة ونحارب الرذيلة ونطارد الخونة ونبني اوطاننا ونعتز بديننا ونصون كتابنا ومن بعد كل ذلك لا نسمح ان يكون العراق فلسطين الثانية في عالمنا الاسلامي والعربي) وسوف يثبت الله والتاريخ والعقل (اي الحديثين اصدق). |